Home » » قمة البحر الميت

قمة البحر الميت

تكتسي القمة الثامنة والعشرون لمجلس جامعة الدول العربية، الملتئمة في منتجع “البحر الميت” طابعاً خاصاً من زوايا عديدة. يهمني بداية التوقف عند زاوية المكان، أي البحر الميت، المقابل لفلسطين المحتلة، وأتصور، أو هكذا أفترض، أن القادة العرب المشاركين، وهم يتوجهون براً من العاصمة عمان إلى البحر الميت برا (حوالي أربعين كلم)، سيشاهدون أرض فلسطين، ويستنشقون الهواء الآتي من أول بواباتها “أريحا”، ويشاهدون، إذا كان الجو صافيا”، المستوطنات الإسرائيلية الجاثمة على أراضي الفلسطينيين، وكلها نخيل وأشجار مُثمرة، وفي الليل يشاهدون أضواء فلسطين من خلال المستوطنات.. لا أعرف هل سيلحظون هذه الأشياء، أم لا؟ وكيف سيكون شعورهم حُيال ما سيشاهدون؟ ففي كل الأحوال لا يمكن لكل من زار البحر الميت، أو أطراف العاصمة الأردنية عمان، ألا ينتابه شعور بالألم وهو يجاور فلسطين وأمكنتها التاريخية.. أذكر شخصيا كلما كنت أشارك في مؤتمر أو ورشة أو لقاء علمي في منتجع البحر الميت، كم كنت أشعر بهذا الألم، وكم كان يخترقني شعور موجع ليلاً وأنا أراقب أضواء أريحا من نافذة أو شرفة فندق الإقامة، أو عند الصباح الباكر وأنا أشاهد الضباب الخفيف المنتشر على المساحات الخضراء لمزارع أريحا التي اغتصبها الإسرائيليون عُنوة. وفي السياق نفسه، أذكر مرة وأنا في دعوة عشاء أحد الفضلاء الأردنيين من أصل فلسطيني في بيته العامر في منطقة “الصلت”، غير البعيدة كثيرا عن العاصمة عمان، أخذني من يدي وقادني إلى سطح منزله الفسيح ليريني أضواء القدس ليلا، قائلا، وقد أدمعت عيناه على كبره،: “ها هي فلسطين التي هُجّرنا منها قسراً”، وأضاف: “لقد اشتريت أرض هذا المنزل وبنيته في هذه الربوة خصيصا لأطل على مدينة القدس وأرى  أضواءها كل يوم، أو كلما اشتد الحنين بداخلي، وتملكني الشوق إلى فلسطين”.

بيد أن فلسطين في حاجة ماسة إلى إرادة عربية حقيقية وصادقة تُدعم تحريرها، وتُسند أهلها كي يكون لهم مكان فعلي تحت الشمس.. وهو ما لم يوجد ولا يوجد في الواقع العربي حتى الآن. صحيح أن القضية الفلسطينية تصدرت البنود السبعة عشر الواردة في البيان الختامي، الصادر عن القمة  الثامنة والعشرين في منتج  البحر الميت (29 مارس 2017)، حين أكد معدوه على “حل الدولتين”، والعمل على إطلاق “مفاوضات فلسطينية إسرائيلية جادة وفاعلة، تنهي الانسداد السياسي وتسير وفق جدول زمني محدد لإنهاء الصراع على أساس حل الدولتين”، كما أعادوا التشديد على أن “السلام الشامل والدائم خيار عربي استراتيجي تجسده مبادرة السلام التي تبنتها جميع الدول العربية في قمة بيروت في العام 2002، ودعمتها منظمة التعاون الإسلامي..”. ومع ذلك، لا بد من القول مرة ثانية إن الإرادة العربية غير متماسكة وقوية بما يكفي لجعل ميزان القوى متجها نحو حل حقيقي لأقدم قضية ظلم في التاريخ الحديث.

نقرأ في البيان الختامي لقمة البحر الميت عناوين أخرى إلى جانب قضية فلسطين، من قبيل دعوة القادة العرب إلى إيجاد “حل سلمي للأزمة السورية”، والحفاظ على “تماسك العراق ووحدة اليمن”، و”دعم اتفاق الصخيرات” بالنسبة إلى الأزمة الليبية، و”القضاء على الأرهاب”، و”حسن الجوار”، وغيرها من الملفات الضاغطة على الوضع العربي. والواقع أن إمعان النظر في كل هذه القضايا يُقنع بأن ثمة خيطا ناظماً يجمع بينها كاملة، عنوان ضعف الإرادة العربية، وافتقاد العرب لرؤية قادرة على جمع الطاقات، وتعظيم أرصدة القوة لدعم المشترك العربي وتثمين مقوماته، بل يمكن الجزم، وهذا أخطر ما في الراهن العربي، أن النخب القائدة العربية ساهمت، بإرادة أو بدونها، في إضعاف ذاتها، والعمل على ترهل أرصدة قوتها، وفي أحايين كثيرة مولت سيرورة الإضعاف والترهل التدريجيين، ورعت آليات ووسائل التنفيذ، ومن هنا لن يستطيع العرب إعادة بناء إرادتهم، وتالياً إعادة تجميع أرصدة قوتهم، دون القطع مع هذه المنهجية التي أضرت بالبلاد والعباد.. أما الجامعة العربية فليست في النهاية سوى مؤسسة أو فكرة، الذي ينفخ فيها الروح ويحولها إلى واقع حي ومعنى جماعي هم الأعضاء دون سواهم.. ما عدا هذا، ستتوالى القمم العربية ويستمر القادة في تنظيم اللقاءات وتبادل المصاحبات، وإعادة الكلام المكرر، لكن ستفقد المجتمعات ما تبقى لها من الأوطان، أو ستبقى حية في أوطان بلا روح.



from اليوم 24 http://ift.tt/2oj7liN
source IFTTT
Fourni par Blogger.

الصفحات

Contributeurs