Home » » شلوح العز

شلوح العز

حواسيب مهندسي القناطر والطرق، الحاكمين الفعليين في هذا البلد، لا تقرأ المقاربات السوسيو- ثقافية والتاريخية والنفسية للمجتمعات والمناطق. لذلك فهم يتعاملون مع سكان الريف كتعاملهم مع تلٍّ صخري يجب دكُّه، سواء بالجرافات أو بالديناميت. ومثلما يرسمون تصاميم عن البنية التحتية ونسبة الإسمنت والحديد، يكتبون تقارير عن البنية الفوقية ومنسوب الغضب والفقر والبطالة في هذه المدينة أو تلك. أما الحساسية الثقافية والتاريخ فمحض ثرثرة أدبية في كتب وجرائد لا تعني لهم شيئا.
فما يبدو طاغيا حتى الآن، في تعاطي الدولة مع حراك الريف، هو المقاربة الأمنية: وزير الداخلية السابق محمد حصاد، يترأس وفد المعزين إلى الحسيمة عقب الموت التراجيدي لمحسن فكري. وزير الداخلية الحالي عبدالوافي لفتيت يترأس، عمليا، اجتماع أحزاب الأغلبية الذي ردد فيه زعماء هذه الأحزاب تقريرا أمنيا عن أن حراك الريف له أهداف انفصالية ويتلقى تمويلا من الخارج. لفتيت نفسه يقود الوفد الوزاري إلى الحسيمة، قبل أن يؤشر على حملة الاعتقالات الكبيرة لنشطاء الحراك، ثم التفريق الدموي لمظاهرة يوم عيد الفطر وما تلاه من اعتقالات جديدة. والحصيلة: وعود تنموية معلقة وإنجازات أمنية يومية.
مقاربة المهندسين هاته، قد تنجح مع الوقت في إتعاب المحتجين وعائلاتهم وفي فتور الحراك، لكنها ستنجح أيضا في إضافة محطة 2016-2017 إلى التاريخ المتوتر بين الدولة ومنطقة الريف، فمثلما يتحدث الريفيون بحسرة واعتزاز عن “عام إقبارن” وخطاب “الأوباش” سيتحدثون عن “ملحمة طحن مّو”. وما لا يعرفه هؤلاء المهندسون، هو أن هذه المحطات ليست وشما على أذرع جماعة من المتمردين سينمحي بموتهم، بل نقشا في الوعي الجمعي لمنطقة تعيش بالرموز أكثر مما تعيش بالخبز.
إن الفرق بين المسؤولين الذين يفككون الإنسان ووضعه الاجتماعي واختياراته وسلوكه إلى أرقام، وبين المفكرين والسياسيين الذين يقرؤون الفعل الاجتماعي في أبعاده الإنسانية، يمكن تلمسه- في حالة الريف- في تصور وزير الداخلية ومن معه، عن أن الحراك انفصالي، مقابل موقف الأنثربولوجي عبدالله حمودي الذي قال إن الريفيين لهم شعور بالاستقلال، ولكنهم ليسوا انفصاليين. فإذا كان لفتيت وجماعته، يرون في عَلم الخطابي رمزا لنزعات انفصالية، فإن جهلهم بالتاريخ يحجب عنهم إدراك أن الخطابي سعى من منفاه المصري إلى تأسيس جيش تحرير المغرب العربي، وأنه رفض حصول المغرب على استقلال منقوص، كما حزن لنفي محمد الخامس وقال للكولونيل الهاشمي الطود: “لو لم يكن في رجلي كسر، لما توانيت في الرجوع إلى المغرب لردع فرنسا”.
إن وعيا بهذه الأمور وغيرها، كان سيدفع الدولة إلى استيعاب هذه الخصوصية الريفية وإدماجها في النسيج والرصيد الرمزي الوطني المتنوع والمتصالح مع تاريخه، وسيكون في ذلك إغناء لمملكة الجهات الديمقراطية.
خطوة كهذه تحتاج إلى مصالحة وتعاقد جديدين يقودان المغرب إلى ديمقراطية حقيقية، والريف إلى الاعتراف له بالخصوصية التي اعترف له بها المغاربة مبكرا عندما سموا الريفيين بـ”شلوح العزّ”. خطوة كهذه تحتاج، أيضا، وبالأساس إلى وسطاء سياسيين أصحاب مصداقية ومشروعية شعبية ومشاريع سياسية، وليس إلى مهندسين وسياسيين دجالين لا يصدقون أنفسهم، لكن تصدقهم الدولة.



from اليوم 24 http://ift.tt/2t7QZsX
source IFTTT
Fourni par Blogger.

الصفحات

Contributeurs