Home » » السيد وكيل الملك

السيد وكيل الملك

عاد الملك محمد السادس ليذكر في خطاب العرش على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق مقتضيات الدستور، وقد حان الوقت فعلا لتفعيل هذا الربط المهم. فلا يمكن تجويد المرفق العمومي والرقي بالحكامة في غياب آليات المراقبة والزجر. ولعل القضاء أحد أهم هذه الآليات وسيكون حاسما عندما يستقل عن الجهاز التنفيذي، فيكف سيكون هو أحد أهم حلقات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ذاته لا يخضع لأي آلية رقابية؟

في هذه القراءة سنخصص بالتحليل النيابة العامة، التي ستصبح شهر أكتوبر المقبل تامة الاستقلالية، إذ ستزداد مسؤوليتها بخلاف ما يعتقد البعض. فاليوم، وهي تحت وصاية وزارة العدل، تلتجئ إلى الجهاز التنفيذي لتتنصل من مسؤوليتها في القضايا الكبرى. ولعل المثال الأبرز هو حراك الريف، حيث كانت النيابة العامة في كل مرة تطلب موافقة وزارة العدل لتلبس قراراتها لبوساً سياسياً يجعل الوزارة في مواجهة الرأي العام، فيما هي تتوارى إلى الخلف. ولعل قضية اعتقال الصحافي حميد المهدوي أحد تجلياتها.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما جاء به الدستور وما يؤكد عليه الملك في جل خطبه، يقتضي تفعيل القانون كلما كانت إشارة إلى الإخلال بالمسؤولية، وكان رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، قد قال في أول خرجة إعلامية له بأن على النيابة العامة أن تفتح تحقيقا في ملفات الفساد التي تتطرق لها الصحف، دون انتظار رفع شكاية في الموضوع. وإذا كان هذا هو الصواب في دولة الحق والقانون، فإنه في الواقع لا شيء من هذا يقع. بل أكثر من هذا، النيابة العامة لا تتجاهل قضايا الفساد التي يتحدث عنها الإعلام الوطني، فحسب، بل تتعامل، أحيانا، باستخفاف حتى مع شكايات يرفعها مواطنون وجمعيات وهيئات المجتمع المدني لا لشيء، سوى لأن جهات “نافذة” أطراف فيها!

الأخطر من ذلك، أن بعض الشكايات التي تعتبر في جوهرها قضايا رأي عام، تنتظر شريحة واسعة من المواطنين معالجتها بالفعالية المطلوبة، يتم تجاهلها أحياناً. وبهذا الخصوص يمكن أن نسرد نماذج عدة دون أن نكل.

الآن، وقد عاد الحديث مرة أخرى عن ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعد التذكير الملكي في خطاب العرش، أن يتحمل القضاء الواقف، وسنتطرق لاحقاً للقضاء الجالس، كامل مسؤوليته بخصوص تخليق الحياة العامة وحماية المال العام. فبعد اليوم لا يمكن أن نستسيغ أن تمر النيابة العامة على أخبار تُنشر بالبنط العريض على صدر الصفحات الأولى للجرائد الوطنية بأسماء المتورطين ومبالغ الاختلاسات وبالحجة والدليل، ولا تفتح النيابة العامة أدنى تحقيق، وكأن الأمر يهم جزر الواق واق. تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة يهم، كذلك، ولا بد من الإشارة إليها، مسؤولية الصحافة في ضرورة التحري والتقصي وعدم التشهير أو الاتهام دون حجج.

إن سلطة وكيل الملك ستتوسع لا محالة، لكن مسؤوليته ستكبر، وواهم من يعتقد أن غياب آليات الرقابة عن مهامه، ضمن الاختصاصات الجديدة بعد أكتوبر 2017، ستطلق يده وستجعله يتغول أو أن يمارس الشطط لسبب من الأسباب. إن الرأي العام اليوم والإعلام المهني، هما آليات الرقابة التي سيكون على النيابة العامة أن تحسب لها ألف حساب. لقد ولى الزمن الذي كانت فيه تحقيقات الصحافة تضع في الأدراج ويلفها النسيان. فاليوم، تتكلف الوسائط الجديدة للإعلام بالمتابعة على شبكات التواصل الاجتماعي ويتم التفاعل معها صوتا وصورة، وكلما كبرت كرة الثلج تحسس المسؤول القضائي جلده أكثر. إن وزارة العدل، ووراءها الحكومة، تخلصت من هذا العبء السياسي الذي كان يحتم عليها تحمل وزر أخطاء النيابة العامة، وصار على هذه الأخيرة أن تتحمل مستقبلا مسؤوليتها كاملة في تحصين مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 



from اليوم 24 http://ift.tt/2tQASj4
source IFTTT
Fourni par Blogger.

الصفحات

Contributeurs