Home » » مصطفى السحيمي: دولة اجتماعية ديمقراطية تحقق النموذج الجديد للسلطة

مصطفى السحيمي: دولة اجتماعية ديمقراطية تحقق النموذج الجديد للسلطة

بداية، لا بد أن ننبه أن استشراف ما بعد أزمة كورونا، لا يعتبر الأهم في الوقت الحالي. الأولوية الآن، يجب أن تظل لمواجهة الوباء بالشكل الذي يجنبنا الأسوأ. الوضع يشبه شيئا ما، صورة الإطفائي في مواجهة حريق أو كارثة طبيعية. لكن، وعلى مستوى آخر، وفي مجال السياسات العمومية، هناك أولوية أخرى ينبغي أن تُعطى لتحضير الشهور والسنوات المقبلة.

لقد جرى إحداث لجنة يقظة اقتصادية من طرف الحكومة، وذلك تحت إشراف وزير الاقتصاد والمالية محمد بنشعبون، ومشاركة ممثلي القطاعات الحكومية والاتحاد العام لمقاولات المغرب. واتخذت هذه اللجنة عددا من الإجراءات الخاصة بدعم الأجراء، سواء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو غير المصرح بهم. ولهذه اللجنة مهمة أخرى، هي التتبع عن قرب لتطورات الأوضاع الصحية والاقتصادية والاجتماعية. فما هو الحال اليوم؟ لا جواب، لأن أي معلومة حول هذا الجانب لم يتم تقديمها. ما هي وضعية المقاولات التي تشكل النسيج الاقتصادي الوطني؟ من بينها ما أوقفت نشاطها نهائيا؟ كم هو عدد الأجراء المعنيين بالتوقف؟ وما الذي يمكن للمقولات أن تستطيع فعله في المستقبل القريب من أجل استئناف النشاط؟ هذا الأمر يعود بدون شك إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

هذا الأخير مطالب بتقديم مقترحات ملموسة من أجل الحفاظ على مناصب الشغل، وكيفية تعبئة الاستثمارات في القطاع الخاص لإعادة إطلاق الديناميكية الاقتصادية، وكيفية الرفع من الإنتاج الداخلي من أجل تعويض أو تقليص بعض الواردات، وأيضا، حول كيفية مرافقة المقاولات الصغيرة. في هذه المقاربة، أعتقد أن من الضروري العمل على هيكلة القطاع الذي يوصف بغير المهيكل، وهو إصلاح كبير يمكنه أن يسمح بتأهيل وعصرنة الاقتصاد الوطني.

لا بد من التنبيه، أيضا، إلى أن الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة حتى الآن، كان أساسها المبادرات الملكية التي جاءت لمواجهة الأزمة، وذلك، أساسا، من خلال إحداث صندوق خاص لمواجهة الوباء بقيمة 10 ملايير درهم، وإعلان حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 20 أبريل والسماح باستعمال “الكلوروكين”، وقرار إلزامية استعمال الكمامات وإجراءات دعم المنظومة الصحية عبر مصالح الصحة العسكرية…

ماذا عن باقي الإجراءات الحكومية؟ لا بد أن نسجل وجود تفاوت بين ما يُعلن من قرارات وما يُنفّذ على أرض الواقع. فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مثلا، أوقف عملية إعفاء المقاولات المؤهلة للاستفادة من إجراءات مواجهة الأزمة. لماذا؟ لأن اللجنة التقنية المحدثة من طرف لجنة اليقظة لم تحدد معنى المقاولات في وضعية صعبة، هل هي تلك التي تحقق نصف رقم معاملاتها المعتاد؟ أم أقل من ذلك؟

هذا يعني أن علينا التمييز بين خطة الدعم من جهة، وخطة إعادة إطلاق الدينامية الاقتصادية من جهة أخرى. خطة الدعم تهدف إلى إنقاذ حَيوَات المغاربة، أي إنها أمر طارئ لمواجهة الوضع الاجتماعي وضمان الشروط الدنيا للعيش، خاصة للفئات التي تحترف مهنة بسيطة. أما خطة إعادة إطلاق الديناميكية الاقتصادية، فهي شيء آخر مختلف تماما، يتطلب الجواب عن أسئلة من قبيل ما العمل؟ وكيف؟ وبأي اختيارات وأي تحكيمات من أجل حفظ المكتسبات والانطلاق في أشياء جديدة؟ وبأي نموذج تنموي سننطلق؟

لا أعتقد أننا بواسطة سياسة تقشف سنجد الحلول المناسبة، لأنها ستمسّ، أساسا، الطبقات الفقيرة والمهمشة من السكان. لجنة شكيب بنموسى لإعداد النموذج التنموي باتت مطالبة بمراجعة أوراقها، والتي كان يفترض فيها تقديم تقريرها نهاية يونيو. فأمام الأزمة الحالية، سيكون عليها، ربما، طلب تمديد هذا الأجل حتى تتمكن من أخذ كل ما وقع من تطورات بعين الاعتبار، لأن أي تقرير يقدم خلال شهرين ونصف من الآن، لن يكون له أي صدى.

ما ينبغي تسجيله إذن، هو حس القيادة الملكية في هذه الأزمة، فالعاهل يتمتع بموقع مؤسساتي وسياسي وديني كرّسه النص الدستوري، وهو ما يعتبر من ثوابت الأمة. وأكثر من هذا الموقع المؤسساتي، من المهم رصد هذا التجسيد الملكي لمفهوم المصير المشترك. وبدورهم المواطنون، وسعيا منهم من الحصول على الحماية، توجهوا إلى الملك. لم يعد هناك أي تقاطب سياسي أو اختلافات سوسيو ــ اقتصادية، بل ساد إحساس جماعي بمضمون مواطناتي واضح. والسياسة الملكية في مرحلة الأزمة بات يُستشهد بها حتى في الخارج، بما في ذلك دول أوروبية.

ملاحظة أخرى ينبغي تسجيلها، تتعلق بدور الدولة. من الذي يتحرّك اليوم. إنها الدولة التي بقيت واقفة وضمنت القيام بالمهام الأساسية التي تحفظ الصالح العام من خلال وزارة الداخلية. لا بد من إلقاء نظرة عرفان تجاه هذه الوزارة التي تحمي وتُطمئن بفعالية وقرب. فقد تابعناها في جميع حملات التحسيس والتواصل الميداني لدرجة أصبحت معها تحدث الـ”بوز” هنا وهناك. كل هذا سوف لن يختفي أو يتبخر غدا. إننا بصدد نسج علاقة ثقة مع هذه الإدارة السيادية ورجال سلطتها وأعوانها في الإدارات الترابية. في لحظة حرجة توجه المجتمع فجأة نحو الدولة التي تولت إعداد الخطة الدفاعية وتنظيم عملية التضامن التي قام بها المجتمع تجاه بعضه البعض.

كل شيء سيتغيّر إذن، بعد وباء كورونا، وأي محاولة لدعم الاستمرارية سوف لن تلاقي النجاح. لا بد من مراجعة السياسات العمومية بعد هذه الأزمة الصحية ومراجعة اعتمادات الميزانية واستباق ما بعد النجاة من الوباء. منطق مردودية المدرسة النيو ــ ليبرالية ينبغي أن يُراجع، والدولة استعادت أدوارها، لأن المجتمع ليس مقاولة، بل مجموعة مواطنين وكائنات بشرية. لكن هذه الدولة الجديدة يجب أن تكون دولة اجتماعية- ديمقراطية حتى تنفذ التوجيهات الملكية التي صدرت قبل نحو 20 عاما (12 أكتوبر 1999) أمام المنتخبين المحليين، والتي تدعو إلى “نموذج جديد للسلطة”.



from اليوم 24 https://ift.tt/2XKqV8C
source IFTTT
Fourni par Blogger.

الصفحات

Contributeurs