ولد الفيلسوف سليمان بشير ديان، أستاذ الفلسفة، ومدير برنامج الدكتوراة في قسم اللغة الفرنسية في جامعة كولومبيا الأمريكية، في مدينة سانت لويس السنغالية. يعتبر مرجعا عالميا في الدراسات ما بعد الكولونيالية، إذ اشتهر برهانه على الفكرة الإفريقية المحلية الخالصة القائمة على «الإنسانية المتبادلة»، أو «إنسانية المعاملة بالمثل»، والمشتقة من معنى لفظة «أوبونتو» في لغة الزولو الإفريقية. يعتقد أننا متجهون إلى عالم أكثر تعددية ومنعتق من الاستعمار بمختلف أنواعه. وعلى غرار العديد من الباحثين المرموقين، يدعو ديان البلدان الإفريقية إلى تحويل نقمة الوباء إلى نعمة من أجل نموذج تنموي إفريقي يكون مرجعا عالميا.
مرت أربعة شهور منذ تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كوفيد-19 في إفريقيا، إلا أن السيناريوهات الكارثية التي كان الخبراء يتوقعونها لم تقع، رغم أن الأرقام الأخيرة تظهر تسارع تفشي الفيروس؟
لقد اتبعنا منطقا مألوفا عندما يتعلق الأمر بإفريقيا؛ إنه منطق الكارثة. كنا نعتقد أننا خرجنا من منطق «التشاؤمية الإفريقية»، لأن القارة الإفريقية كانت في حالة جيدة اقتصاديا في السنوات الأخيرة؛ كان يُتحدث عن نسب نمو عالية… ومع الجائحة ظهرت ردود الفعل القديمة. في كل الأحوال، تخلق المعاناة من الجوائح والكوارث الطبيعية الأخرى القدرة على المقاومة والتكيف. في الواقع، لا يمكننا التنبؤ بالكيفية التي سيتطور بها الفيروس في الأشهر المقبلة، لكن القارة الإفريقية تقاوم اليوم.
تعزى هذه المقاومة إلى عدة عوامل، من قبيل شبابية الساكنة، وتقليص حركة التنقل بين دول القارة، والتحرك السريع للحكومات…
هناك ريادة إفريقية لم تأخذها السردية الكارثانية (من الكارثة) بعين الاعتبار. للأسف، لا تعرف دول الشمال القارة الإفريقية، ولا ترى التقدم الذي حققته إفريقيا في العقود الأخيرة.
وقّعتم إلى جانب 50 مثقفا إفريقيا مقالا تحثون فيه القارة على الاستفادة من «التضامن الذي هو جزء من جيناتها» من أجل محاربة الجائحة؟
تملك إفريقيا الموارد، ولا يمكن اختزالها في عدد أجهزة التنفس أو الأسرة المتوفرة في المستشفيات. الدعوة إلى التضامن -مثلا، طلب استعمال الكمامات لحماية الفئات الأكثر عرضة لخطر الفيروس- يتردد صداها بشكل خاص في ما أسميه إنسانية المعاملة بالمثل. الفكرة، ببساطة، هي أن كل واحد يبني إنسانيته في المعاملة بالمثل مع الآخر. إنها تحمل معنى لفظة مشتقة من لغات البانتو في جنوب القارة الإفريقية، والتي اشتهرت بفضل نيلسون مانديلا وديزموند توتو. هذه اللفظة هي «أوبونتو» (تعني بالضبط الإنسانية تجاه الآخرين أو الإنسانية المتبادلة أو نحن موجدون بفضل الآخرين).
في المقال تقولون إن الأزمة الحالية تمنح إفريقيا فرصة إعادة التشكل من جديد، وعرض نموذج تنموي بديل على العالم؟
نحتاج إلى الابتعاد عن دوخة الطوارئ لكي نستطيع أن نرى أن النموذج الذي اتبعناه دمر منظومتنا الصحية. في إفريقيا، ستكون التداعيات الاقتصادية للأزمة خطيرة جدا. بعد الأزمة، يجب أن نكون نحن الأفارقة أول القائلين إن النموذج التنموي النيولبرالي معطل. ويجب أن نقول ذلك في إطار التضامن. الشيء الذي أظهره لنا هذا الفيروس هو أننا بلد واحد، لذلك، يجب علينا أن نتصرف كبلد واحد.
إذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة التي تربط الأفارقة بعجائزهم، كيف كان رد فعلكم عندما رأيتم الكارثة في دور العجزة بالقارة؟
موت الكثير من كبار السن في عزلة تامة، وتخلي المجتمع عنهم، يمثل بالنسبة إليّ الوجه الأكثر رعبا وغير الإنساني لهذه الأزمة. أسمع هنا وهناك الحديث عن الحصانة الجماعية (مناعة القطيع)، والتي أترجمها على الشكل التالي: «نستطيع أن نترك شيوخنا يموتون». مازلت مفزوعا مما حدث.
هل الإنسان قادر على تصور نفسه كـ«أوبونتو» (إنسانية)؟
أنا متفائل. أعتقد أن فكرة العيش في البيت نفسه، وإدراك أن البيت هش، ستفتح باب التفاؤل، وستقودنا إلى هذه النظرة المتمثلة في إنسانية واحدة. في الحقيقة، ليس محض صدفة أن الانتخابات البلدية الحديثة الفرنسية أعطت هذه الدفعة للبيئة. هذا النضال سيستمر، وسيتقوى ويتقدم بشكل سريع بسبب هذه الأزمة.
إذن، لن نعود إلى عالم ما قبل كورونا؟
مستحيل. التعددية، التي هي أيضا أحد أشكال الإنسانية المشتركة، تتقدمُ، خاصة في قطاع الصحة ذي الطابع الحيوي. لقد أدركت أوروبا أنه في خضم البحث عن حلول للأزمات الكبيرة التي تتعرض لها الإنسانية، ليست هناك بلدان صغيرة.
هل يجب على أوروبا تحرير تعريفها لمفهوم العالمية من النزعة الاستعمارية؟
بكل تأكيد. وخير مثال على ذلك هو أن السردية، التي اعتادت أوروبا أن تعرف بها نفسها، تتعرض اليوم للمساءلة عبر تدمير التماثيل. إلى حدود اليوم تمكنت أوروبا من إخفاء وجهها الأقل توافقا مع القيم الكونية التي كانت تدافع عنها دائما. يتوجب عليها تفكيك هذه السردية، والشروع في رؤية كيف ينظر الآخرون إلى هذه السردية، وهو درس من الصعب جدا تعلمه عندما يكون الواحد مقتنعا بعالميته الخاصة.
اضطر ملك بلجيكا إلى الاعتراف أول مرة بـ«أفعال العنف والقسوة» التي ارتكبت إبان الاستعمار. هل ستجد الدول نفسها مجبرة على مواجهة ماضيها الاستعماري؟
نعم، أعتقد ذلك. الذين من المفترض أنهم اكْتشِفُوا، يكتبون أيضا التاريخ، ويطالبون باستعادة الحقيقة التاريخية. بكل بساطة، لا يتعلق الأمر بالاستعداد النفسي لطلب الاعتذار، بل بالاعتراف العلمي بالحقيقة. المشكلة الكبيرة هي أن أوربا لا تريد إدراك أنها في زمن ما بعد الاستعمار أصبحت على قدم المساواة مع المستعمرات القديمة.
تسببت وفاة جورج فلويد في حراك احتجاجي دولي، وأعادت فتح النقاش حول الماضي الاستعماري، مع صدى خاص وسط الأقليات البارزة في القارة العجوز. لماذا اليوم بالضبط؟
أتساءل إن كان هناك شيء ناضج في المجتمع. وربما ليس من محض الصدفة أن تحدث الوفاة في زمن الجائحة حينما تفاقم الشعور بالهشاشة، وبالنسبة إلى الكثيرين، تفاقم الشعور بالعيش في مجتمع غير عادل. السخط الذي أثاره مقتل جورج فلويد اجتاح العالم برمته، لأنه يدافع عن شيء كوني مثل حياة الإنسان. في شعار «حياة السود مهمة»، يجب التشديد على لفظة حياة.
كيف يمكن تغيير العقليات حيث العنصرية ممنهجة؟
الشباب هو الذي سيقرر. فقد أظهرت الاحتجاجات الدولية على مقتل جورج فلويد أن هناك شبابا جاهزا كليا لإحداث الفارق. هؤلاء الشباب لم يكونوا جميعا سودا طويلي القامة، بل هم، في الغالب، بيض ذوو عيون زرقاء. يمكننا أن نرى نوعا من الحركية الإيجابية التي يخلقها هذا الشباب الذي يعطي، من ناحية أخرى، دفعة مهمة للدراسات ما بعد الكولونيالية، لأن جزءًا منه يشعر بأنه يتماهى فلسفيًا مع اللحظة التي يعيشها. في نهاية المطاف، لن يكون بإمكان الخطابات الدفاعية أو الرقابة القيام بأي شيء ضد هذا التطور الديمقراطي والديمغرافي المتسارع.
from اليوم 24 https://ift.tt/2DZXzLE
source IFTTT
