الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر.
مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.
هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.
إعداد: عادل الكرموسي
التفت إلي بعض المجاهدين وسألوني: “لماذا تبكي في هذا اليوم السعيد؟ لقد حررت أفغانستان وتحققت أمنياتنا”. فأجبتهم أنتم على حق، لكنني كنت غارقا في الحزن ذلك الوقت، ورحت أفكر في جميع أصدقائي الذين استشهدوا هم أيضا، إذ شاركونا أحلامنا وآمالنا، لكنهم دفعوا الثمن الأغلى. ورحت أفكر في الملا مرجان، الذي غالبا ما تساءل عن وقت يمكنه فيه التجوال في شهيدان شاوك. يستذكر انتصار المجاهدين. ولطالما قمنا بتلك الجولة معا، لكنه توفي قبل أن تنتهي الحرب.
وسرعان ما اندلع القتال بين مسعود وحكمتيار في كابول. فطلب مسعود السيطرة الكاملة على المدينة، إلا أن حكمتيار رفض ذلك بصفته رئيسا للوزراء.
انقسم الحزب الشيوعي القديم بين الخلقيس والبرشامين. وعلى الرغم من أن التحالفات لم تكن واضحة في حينها، فإن الخلقيس اصطفوا مع حكمتيار، بينما اصطف البرشاميس مع مسعود. وسرعان ما وصل القتال إلى قندهار، حيث تصادم قادة العدو في المدينة.
سيطر الأستاذ عبد الحليم، وهو قائد في فصيلة السياف، على مديرية الشرطة في المحافظة، لكن قوات الملا نقيب حولتها إلى ركام.
وكان عبد الحكيم خان القائد في تلك المعركة، التي دامت إلى يوم فراره، قتل معظم الناس في مبنى المديرية، وفر الآخرون إلى ساربوزا، وإلى قاعدة الأستاذ عبد الحليم الرئيسة.
لم تتدخل حركة طالبان في تلك النزاعات، وعاد الكثير منهم إلى ديارهم وحول الملا محمد عمر قاعدة المجاهدين القديمة في سانجيسار إلى مدرسة. وفكرت للحظة أن أظل هناك. لكني شعرت أن الأمر صعب لأنني بلا عمل. قررت أن أعود إلى زوجتي وأولادي، فقد تزوجت في العام 1987، وانتقلت معها لنقيم مع والدها حيث أنجبت، وبعد نقاش دار بيني وبين زوجتي وأبيها ارتأينا أن أبحث عن عمل. لم أعمل قط من قبل، ولم أكن أملك أي مال لبدء عمل جديد، فضلا عن أنني لا أعرف ما أفعل.
كانت أسرتي تقيم في باكستان، وكان بإمكانها مساعدتي لإيجاد عمل، لكنني لم أشأ مغادرة أفغانستان. وعلمت أن ثمة منظمة أجنبية على طول طريق سلوان، عثر فيها الكثيرون عن عمل. ومضيت صباح اليوم الثاني لأسجل اسمي طلبا للعمل. أعطيت مجرفة لحفر القنوات المائية على طول الطريق، وبدأت العمل من فوري، وحدد الأجر اليومي لكل شخص هناك في 250 ليرة أفغانية، و7 كيلوغرامات من القمح. وتلك كانت المرة الأولى التي أعمل فيها، لرغبتي في كسب لقمة العيش لعائلتي، لذلك عملت بحماسة، وكان العمال الآخرون يكفون عن الحفر حين يصبحون بمفردهم، أو حين لا يراقبهم أحد، فكانوا يثرثرون.
ويطلبون إلي أن أوقف الحفر، ونصحوني بأن لا أتعذب، وأتابع العمل ما دمنا خارج الرقابة، وأن بمقدوري ادعاء العمل حتى وإن كنت خاضعا للرقابة.
جدير بالذكر أن ساعات العمل تمتد من الثامنة صباحا حتى الواحدة ظهرا.
ظهيرة يومي الأول مر بنا الحاج بهاء الدين، وهو شيخ قبيلة من قريتي.
كان تلميذا وصديقا لوالدي، رآني وهو في طريقه من سالاوات أقف إلى جانب الرجال الآخرين، فأوقف سيارة وترجل منها، وتوجه إلي، وسألني قائلا الحاج ملا صاحب، ما الأمر؟
سلمت عليه، فنظر إلى يدي، ولم يكن قد مر على عملي في الحفر أكثر من نصف ساعة، لكن التقرحات أخذت تظهر على راحتي وتؤلمني.
نظر إلي والدموع في عينيه وردد: “هاتان اليدان لم تخلقا للعمل”، قال ذلك وانتزع الرفش مني وأعادني إلى منزلي. وصلت وما من ضيافة لدي لأستضيفه، فأكمل طريقه ولم يكن لدينا طعام. وفضلا عن ذلك، فإن طفلي، ابن الأشهر الستة، كان مريضا، غرقت في التفكير محاولا إيجاد حل لهذا الوضع المزري، وإذا بأحد يطرق بابي ويناديني باسمي. لقد كان نور علي ابن الحاج بهاء الدين، الذي يقف على الباب وبين يديه كيس من الطحين، استأذن لإدخال الكيس إلى المنزل، ولما انتهى أخرج بعض النقود من جيبه وقدمها إلي قائلا: “يوصيك والدي بأخذ هذا المال وتيسير أمورك في الوقت الحالي”، عددت 60 ألف أفغاني، إنه مبلغ سخي للغاية آنذاك.
لن أنسى إطلاقا الطيبة التي عاملني بها الحاج.
في اليوم التالي، اصطحبت ابني إلى مدينه قندهار لاستشارة الطبيب، شاهدت الأستاذ عبد الحليم والملا نقيب لا يزالان يحاربان حينها في المنطقة المحاذية للسجن. اعترضتنا مجموعة من الرجال ذوي المناظر القذرة، وطلبوا من جميع الركاب الترجل “الباص”. أمرونا بحفر الخنادق، فتوجهت إلى أحدهم وأخبرته أنني أحمل طفلي المريض دون أمه، ونحن في طريقنا إلى الطبيب، وتابعت الطريق، لكن الرجل صرخ في وجهي، وأمرني بالعمل فقط وبالامتناع عن التكلم في أمور لم أسأل عنها، وهددني بثلاثين رصاصة تخترق جسدي إذا تفوهت بكلمة. شتمني وسألني لما لا أنضم إلى صفوف المجاهدين.
from اليوم 24 https://ift.tt/3lJJ9kj
source IFTTT
