شهدت وسمعت خلال السنوات الأربع التي قضيتها في غوانتانامو أحداثا لا تصدق، وقعت في المخيمات الأول والثاني والثالث. ذلك أن المعتقلين قد واجهوا ظروفا صعبة تخالف كل قانون دولي ودستوري وإسلامي وغير إسلامي.
في العام 2003 ومع بداية شهر رمضان أخبرونا أنهم سيحضرون لنا بعض التمر والعسل والخبز. فشعرنا بالسعادة على الرغم من أن تلك الأطعمة لم تكن كافية. ولكن في اليوم الثاني من رمضان أساء احد العساكر معاملتنا. كنا 48 سجينا، فبادر ثلاث منا إلى الرد، حيث رمى سجين الماء على العساكر، فقاموا على الفور بجره إلى زنزانة أخرى ليعاقبوه.
وأعلنوا في اليوم التالي أننا جميعنا معاقبون بحرماننا من الطعام الطازج لأربعة وثلاثين يوما، ومن المياه أيضا. طلبنا التحدث إلى الضابط المسؤول، وأخبرناه احترام شهر رمضان. أخبرناهم أن عليهم احترام شهر رمضان، وأنهم يعاقبوننا جميعا لأن سجينا واحدا فقط أساء التصرف. فجاء رده سلبيا: “إنها الطريقة العسكرية: إن أخطأ فرد واحد يعاقب الجميع”.
وذات مرة، أساءت جندية التعامل مع القران الكريم فرمته أرضا بينما كانت تفتش الزنزانة. أثار الأمر غضب السجناء، فاعتصموا، ورفضوا تغيير ملابسهم والاستحمام والتعاون مع الجنود بأي شكل من الأشكال، أو حتى الخروج من السجن. انتشر الاعتصام بسرعة. وبدل أن تقوم الإدارة بمعاقبة الجندية على تصرفها كما طلب السجناء، واجه هؤلاء التحرك بعنف. أطلق الغاز داخل الزنازين، وأخرجت جميع الموجودات، وأجبر السجناء على الخروج. وحلقت شعورهم جميعا. ووقع المبنى في حالة من الفوضى والضجيج، منعت الجميع من النوم.
في مرة أخرى، احتجز السجناء في مبنى منفصل يسمى أنديانا فأخذوا يصرخون “الله أكبر” ويضربون على جدران زنازينهم. في ذلك الوقت لم يكن أحد منا يعلم ما الذي يجري في مبنى أنديانا. ولكن الأخبار سرعان ما تناهت إلينا عن جنود ضربوا أخا عربيا يدعى مشعل ضربا مبرحا، حتى اعتقد البعض أنه فارق الحياة. طالب جميع السجناء بالحصول على معلومات عن حالة الأخ مشعل. وهددوا بافتعال أزمة داخل المعتقل. بادر الجنود إلى تشديد الإجراءات الأمنية، لكنهم عادوا وأعلنوا أن مشعلا لا يزال حيا، لكنه في وضع دقيق. بعد شهرين اكتشفوا أن الرجل قد أصيب بالشلل التام. لم يكن قادرا على الجلوس أو المشي أو الحركة. حتى إنه فقد القدرة على النطق. بقي في مستشفى غوانتانامو لسنتين ونصف السنة، لكن حالته لم تتحسن.
في غوانتانامو كان كل شيء يحدث بشكل معاكس. حين وصلت إلى هناك، بدت لي الظروف صعبة، ولكن كل شيء ازداد سوءا مع الوقت. كانت مشكلتنا الدائمة هي الطعام. كانت الأمور كلها تسير على أسس تجارية بحتة، فالمعاملة والامتيازات على ارتباط وثيق بالمحققين. فإذا ما أجاب أحدهم عن أسئلتهم، بما يلائم انتظاراتهم، حصل على ما أراد من المناديل الورقية والمياه المعبأة، أو حتى النقل إلى المخيم الرابع. بالمقابل، كان يتعرض الإخوة غير المتعاونين للعقاب.
الملا فضل مثلا عقب واحدا وأربعين يوما. لأنه رفض الإجابة عن الأسئلة خلال الاستجواب. أجبر على البقاء مقيدا في غرفة التحقيق خلال الليل، وتم تشغيل جهاز التكييف بأقصى طاقته. وخلال النهار حرص الجنود على إبقائه مستيقظا بإجباره على المشي. كان الزوار يأتون دائما إلى المبنى الرابع. ولم يروا يوما حقيقة ما يجري في غوانتانامو. على بعد أمتار منهم. مرات كثيرة تعرض القرآن الكريم للإهانة. واستغل الجنود هذا الأمر لمعاقبتنا.
أقدمنا، أكثر من مرة، على استرداد نسخ القران الكريم من الإخوة وأعدناها إلى السلطات، لأننا كنا عاجزين عن حمايتها بأنفسنا، ولكن بدلا من أن يستردوها منا، عمدوا إلى معاقبتنا. السجناء أضعف خلق الله في العالم. والسجين لا يصح أن يعد إنسانا، لأنه يجرد من صفاته الإنسانية شيئا فشيئا مع كل يوم يمر.
سئلت مرات عدة في التحقيقات عن يورانيوم، ولم أكن قد سمعت يوما عن وجود هذه المادة في أفغانستان. وفي معظم الأحيان التي عبرت فيها عن جهلي لهذا الموضوع أو عدم امتلاك أي معلومات حوله، تعرضت للسجن الانفرادي، كانت الأسئلة لا تنتهي حول الإسلام والمدارس والمؤسسات الدينية والعلماء والمؤتمرات الدينية.
في إحدى المرات، اتهمني محقق بضلوعي في إحدى الهجمات على سفينة في اليوم ذهب ضحيتها 11 أمريكيا. قالوا إنني كنت في اليمن حينها. فاجأني الموضوع. وأخذ المحققون يسألوني عن كيفية وصول لليمن. قالوا إنني سافرت إلى إيران، ومنها إلى قطر، ثم من قطر إلى اليمن. سألتهم إن كانوا يظنون أنني كنت على علم بالهجوم قبل وصولي إلى اليمن. قالوا إنهم يعتقدون أنني كنت أجهل الموضوع. ثم سألتهم إن حملت المتفجرات معي، فقالوا إنهم لا يملكون معلومات حول هذا الموضوع. وسألت مجددا: أنا لا أعلم شيئا عن تلك السفينة. لا عن مكانها ولا عن وجهة سيرها، فكيف أنفذ الهجوم عليها؟ كيف أسافر عبر إيران وقطر واليمن إلى وجهة مجهولة في مهمة مجهولة؟ ولمعلوماتكم، أنا لم أذهب يوما إلى إيران أو قطر أو اليمن. ولو استطعتم أن تثبتوا أنني وطأت يوما أرض أي من تلك الدول، سأعترف بتهم موجهة إلي.
from اليوم 24 https://ift.tt/3jMXRFJ
source IFTTT
