كان عاما “استثنائيا” على الصعيد الإنساني والشخصي، أولا من خلال تواجدي الإجباري طيلة أربعة أشهر بباريس، بسبب اجتياح فيروس غريب وغير معروف مصدره للعالم وفرضه الإغلاق التام، والحقيقة كانت تجربة “متفردة” لا يمكن أن أعتبرها جيدة تماما كما لا يمكن أن أحسم في كونها سيئة، إذ صدفة وجدت نفسي ضمن مجموعة من المغاربة أطلق عليهم “المغاربة العالقين بالخارج”.
لكنها سنة ككل السنوات، فيها ما هو جميل وفيها ما هو أقل جمالًا، في شقها الإيجابي، كانت سنة “جميلة”. ففي ظل الظروف التي مررت منها، استطعت “مصادفة” مخاطبة كائن جميل وهي شجرة كانت جارة بإقامتي الباريسية غير بعيد عن السفارة السعودية، وهو ما بات يعرف الآن في أدبيات الرواية المغربية “بالشجرة الهلامية”؛ وهو عنوان رواية لي جمعت فيها كل هذه الحوارات القلقة التي كتبت على إيقاع قصيدة محمود درويش “لاعب النرد” الذي يخسر حينًا ويربح حينًا، الأكثر جمالًا أنني وجدت خلال هذه “الغربة الاستثنائية” وقتا لأرجع إلى نفسي، وأفكر في الأعمال التي ساهمت بها طيلة 20 سنة الأخيرة، وكان ثمرة مراجعة الذات كتاب جمعت فيه كل مقالاتي وحواراتي خلال العشرية الأخيرة في كتاب عنونته بـ”زراعة الأمل: مقالات للمستقبل الراهن”. ولكن في نفس الوقت كانت سنة رهيبة، مخيفة، بدون آفاق واضحة، وكان على كل واحد منا أن يساهم في الإجابة عن السؤال الكبير المقلق والمحير؛ ماذا بعد انتهاء كوفيد19؟ أي عالم ستعيشه الإنسانية؟..
من المؤكد أن العالم ما بعد جائحة كورونا لن يشبه عالم ما قبلها؛ سيكون عالما جديدا بإفرازين أساسيين، الأول هي الدول الإيجابية، وستتكون من مجموع الدول الكبرى التي يعد مسارها واضحا كمجموعة الاتحاد الأوروبي، دول الشرق الصاعدة، الصين، الهند والولايات المتحدة الأمريكية، ثم المجموعة الثانية التي يمكن لي أن أسميها هنا بمجموعة البلدان الرثة، قياسًا على المنهجية الماركسية التي ما زالت صالحة للتحليل، وهي مجموعة تتكون من الدول التي ما زالت تستثمر في الخرافات والانتهاكات الجسيمة في حقوق الإنسان، والتعليم سيء الجودة، التي لا تريد استيعاب أن كرامة الإنسان هو نوع من الطاقة الأكبر من الطاقة النووية والبترول وغيرها.. إلا أن هذه المجموعة التي سميتها بالبلدان الإيجابية هي “عوالم” قابلة للاندحار، إذ يصعب علي مثلا أن أثق في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوقعت على نفسها وأغلقت على كل العالم خلال الأزمة، سيكون من الصعب التعامل معها والثقة بها سياسيا وحقوقيا وأيضا إنسانيا، سواء كان قائدها جمهوريا أو ديمقراطيا، ويصعب أيضا أن أثق في التكتلات السياسية التقليدية كالاتحاد الأوروبي، الذي ترك إيطاليا تختنق لوحدها، ثم إسبانيا لوحدها ثم فرنسا أيضا لوحدها. فطيلة أربعة أشهر التي عشتها بالبلد عايشت هذا.
وبالمقابل، كانت هناك تجارب جيدة جدا من طرف دول الجنوب، من بينها بلدنا المغرب، إذ انتبه المغاربة جميعا إلى أهمية وجود الدولة الحامية للجميع، وهذا الانتباه وحده يدين طبيعة الصراع البليد من أجل السلطة، الذي ضيعنا فيه نصف قرن من الزمن، ويفتح الأمل على مستقبل سياسي يحتكم فيه الفرقاء السياسيون إلى المنطق والعقل، ويبتعدون كثيرا عن الشعبوية المقيتة مهما كان مصدرها ومرجعيتها.
الجائحة أعطت لكل الدول التي لا تريد أن تنهار إلى مصاف الدول الرثة “بروتوكولا” صحيا لتتبعه بدقة؛ تعليم جيد ومعمم يعتمد -منهجيًا- على ضرورة الفصل بين الشؤون الدينية والدنيوية، وعلى الكلمة الفاصلة للعلماء وللمختبرات؛ صحة جيدة تؤهل الناس لمجابهة الآفات القادمة، بما فيها حرب بيولوجية ممكنة الحدوث أمام توازن الرعب الجديد، القائم على امتلاك الكل للمقومات الدفاعية والهجومية الضرورية؛ أمن جسدي ونفسي وفكري وعقائدي يمكن الناس من العودة إلى الاستمتاع بالحياة، والتفكير السليم في المستقبل، السنين العجاف المؤلمة ليست جديدة على الإنسانية، ومن حسن حظنا أننا نعرف -كبشر- أن ننتصر عليها، مشكلتنا أن ذاكرتنا قصيرة.
from اليوم 24 https://ift.tt/33P36i4
source IFTTT
