Home » » يونس الوكيلي: لم يعد المرض مخيفا مثلما كان في الأول رغم الحديث عن الموجة الثانية

يونس الوكيلي: لم يعد المرض مخيفا مثلما كان في الأول رغم الحديث عن الموجة الثانية

أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط

بعد ثلاثة أشهر من الحجر الصحي، هل تعتقد أن المواطن اكتسب ثقافة  وعادات جديدة، بناءً على ما فرضه فيروس كورونا؟

يدخل تفاعل المواطنين مع توجيهات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في إطار انخراط المجتمع المحلي في مكافحة الوباء. وبالنسبة إلى المنظمة هذا شرط ضروري للسيطرة على الوباء. ومن الآليات المعتمدة لتحقيق هذا الانخراط، هي الدعاية التي تقوم بها وسائل الإعلام المختلفة، وهذا أيضا تدعو إليه المنظمة في إطار استراتيجية اليقظة التي تتبناها المنظمة والدول في الأمن الصحي العالمي. ما أقصده من هذه الإشارة أن تدابير الطوارئ الصحية المدعمة بالدعاية الإعلامية، هي التي سعت إلى ترسيخ عادات صحية جديدة في تصورات وممارسات الأفراد بناءً على تعريف الخطر وأساليب تجنبه. بمعنى أن الأمر لا يتعلق بتنشئة أسرية أو تربوية تعليمية، بل بحملات إعلامية مؤقتة، تبدأ بإعلان بداية الطوارئ وتنتهي بإعلان نهاية الطوارئ. هل ثلاثة أشهر كافية لترسيخ ممارسات جديدة؟ الملاحظة العفوية أن هناك استجابة اجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوتات بين الفئات والأعمار والمجالات، مع مختلف التدابير التي يُحث عليها مثل غسل اليدين والتباعد الجسدي أو تُفرض مثل ارتداء الكمامة، لكن هذا لا يدعونا أن نتحدث عن ثقافة صحية جديدة، وإنما عن ممارسات جديدة أصبحت مرئية وتحتل حيزا في مجالنا البصري اليومي بوصفها علامة على مكافحة الوباء.

المغاربة معروفون بحميمية في علاقاتهم، هل تعتقد أنه بعد الحجر سيطبقون التباعد الاجتماعي، ويجري التعايش مع إلغاء حفلات الزواج والمآثم، أم سيعودون إلى حياتهم الطبيعية دون الالتفات إلى الخطر الذي يعيش بيننا؟ 

في حالة تفشي الأوبئة تبقى كل وسائل المكافحة واردة. من جهة أولى، الطوارئ الصحية حالة قانونية، والدولة لم ترفعها لحد الآن، جرة التخلي عن الحجر الصحي الإجباري في معظم المناطق (ومن أراد أن يقوم به بشكل طوعي فله ذلك)، ولكن الطوارئ مازالت قائمة وهي تمنح للسلطات التدخل لحفظ الصحة العامة في أي وقت، وأكيد أنها ستستمر في منع التجمعات أيا كان شأنها، إلى غاية استقرار الوضع الوبائي وضمان عدم حصول أية انتكاسات. من جهة أخرى، أعتقد أن الوضع عموما جعل المغاربة يدركون حجم الخطر وهم بشكل واع تخلوا عن كثير من الممارسات، هذا يذكرني بما سمّاه الأنثروبولوجي البريطاني بول ريتشاردز “إرادة تعليق الثقافة لفترة كافية”، وهو وصف استعمله عندما لاحظ أن طقوس غسل الموتى ودفنهم في سيراليون بوصفها طقوسا متجذرة في الثقافة كانت عاملا مساعدا في تفشي مرض إيبولا بين الأفراد، مما حذا بفرق التوعية الصحية التي كانت تضم أنثروبولوجيين على إقناع المحليين بالتخلي المؤقت عن تلك الممارسات. وهذا التعاون بين الدولة والمجتمع ضروري للسيطرة على الوباء.

هل يمكن في رأيك أن يتخلى المغاربة عن الجلوس في المقاهي والمطاعم والذهاب إلى الأسواق الشعبية، بعد تأكيد وزارة الصحة أن فيروس كورونا لازال يعيش معنا، ويجب التعايش معه؟

يشير الأنثروبولوجيون إلى قدرة الأفراد والمجموعات على التأقلم مع الخطر كأحد أساليب المواجهة. نسبيا، لم يعد المرض مخيفا مثلما كان في الأول، رغم الحديث عن الموجة الثانية وارتفاع الإصابات بشكل لافت في الأيام الأخيرة بالمغرب. الأفراد تبنوا بعض الممارسات الوقائية، وماضون في حياتهم الاعتيادية. تقول عبارة لبول ريتشاردز “الوباء مثلما يأتي، يختفي”، هكذا تخبرنا يخبرنا تاريخ الأوبئة، وكلما بدأ المرض في الاختفاء سيعود الناس إلى حياتهم العادية؛ إلى اللقاء، والتصافح، والتجوال، والعمل، والتخلص من قلق غريب رافقهم في الأيام الأخيرة، عندما اعتبروا بعضهم البعض “مجرد ناقلين للعدوى”، كما لاحظ الفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبين.

لا ننسى، أيضا، أن الجهل بالمرض كان مدعاة إلى اتخاذ أقصى درجات الحذر واستعمال جميع آليات السياسة الحيوية للمواجهة. اليوم، الجهود الدولية وأنظمة الصحة الوطنية تقدمت بشكل ملحوظ في معرفة المرض وكيفية التعامل معه على شتى الأصعدة، وفي العادة أن منظمة الصحة العالمية كلما تعرفت على المرض تكون قريبة من إعلان نهاية الطوارئ الصحية، مثلما حدث مثلا في وباء زيكا بالبرازيل في 2016، ربما مازلنا بعيدين عن إعلان النهاية في حالة كوفيد 19، ولكن الجهود متواصلة، وهذا كله يساهم في العودة إلى الحياة الاعتيادية. والتعرف على المرض ومكافحته، يجعل التمييز ممكنا بين خطورته وانتشاره، ويلاحظ الآن عالميا أن المرض منتشر، ولكنه لم يعد خطيرا ومميتا كما كان في البداية. وبهذا المعنى أفهم التصريحات الرسمية المغربية الأخيرة بأن الوضع الوبائي مطمئن وتحت السيطرة، افتقاد المرض للشراسة يجعل بالإمكان التعايش معه، مثل H1N1 فرغم أنه صُنف جائحة في 2009، إلا أنه استمر في الوجود والانتشار، ولكن بدون خطورة كبيرة، واستطاع العالم التعايش معه. الشهور المقبلة ستخبرنا بالمزيد.

في رأيك، هل يمكن أن يحدث تغيير في المجتمع وعاداته على المدى المتوسط والبعيد، وتصبح العادات المكتبسة في هذه الفترة جزءا من ثقافة المغاربة؟ 

لا يمكن التنبؤ بهذا التغيير، إذ إن العلوم الاجتماعية يتعذر عليها التنبؤ بذلك. الطوارئ الصحية التي فرضَت كل هذه التدابير التي نلاحظها مجرد إطار إداري تقني كما يقول أندرو لاكوف، لها بداية ونهاية، وعادة لا تكون طويلة حتى يمكن أن تُغير العادات. هل تدابير الطوارئ يمكن أن تغير العادات والممارسات في فترة قصيرة؟ قطعا، لا. الطوارئ هدفها محاصرة الوباء والسيطرة عليه. ربما إذا تعددت الكوارث الصحية العمومية، كما في بعض دول آسيا في السنوات المقبلة يمكن أن تتشكل ثقافة لمواجهة الأوبئة، خاصة بعدما تدمج التدابير الصحية الوقائية في السياسات الصحية العمومية، في إطار سياسة وطنية شاملة للاستعداد. حاليا، نحن مع حدث عمره حوالي ثلاثة أشهر، لا أعتقد أنه سيغير المسلكيات والعادات المتجذرة.



from اليوم 24 https://ift.tt/388iKpE
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو