Home » » فسحة الصيف.. عبد السلام الملا: هذه ذكرياتي في زمن الرجال المسلحين

فسحة الصيف.. عبد السلام الملا: هذه ذكرياتي في زمن الرجال المسلحين

لملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددتإلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر. مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقالفيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية علىأفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه فيالمناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة. هنا في هذه المذكرات المثيرة،سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة منصفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بينأفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

 

السنوات التي تلت، انتقلت إلى العيش في باكستان. لكنني غالبا ما كنت أزور قندهار.

في مطلع التسعينيات، مع سقوط حكم نجيب الله ووصول حكومة المجاهدين، بدت أفغانستان عرضة للتفتت أكثر من أيوقت مضى. انطلقت شرارة القتال من كابول، وسرعان ما توسعت لتحرق مناطق الجنوب. تحارب القادة المحليون أمثالالأستاذ عبد الحليم والحاجي أحمد والملا نقيب وغيرهم، داخل المدينة وفي المقاطعات المحيطة سعيا وراء المال والسلطة.

وبلغ القتال من العنف ما جعل الحياة الطبيعية مستحيلة في ظل ذلك الوضع. في إحدى رحلاتي، احتجزت لستة أيام فيمنزل غول أحمد في ديه خوجا، وهي منطقة تقع شرق مدينة كابول، قبل أن أتمكن من متابعة سفري نحو المدينة، بسببالقتال الدائر، واحتجاجا على سياسة القادة، الممعنة في القتل والتخريب.

 نزل سكان المدينة إلى الشارع بعد صلاة الجمعة، تظاهر الآلاف يومها ومشوا في الشوارع، انطلاقا من عيد غاه، وهيسوق أثرية في المدينة يعود بناؤها إلى 100 سنة، منذ عهد أحمد شاه بابا. أخيرا اضطرت المسيرة إلى التوقف فيساحة كابول حيث قام بارو، وهو مجاهد سابق، بالتجمع مع بعض الرجال، واتخذوا وضعية الهجوم مستعينين بدباباتعسكرية. بادر بارو، ومن دون أي إنذار، بإطلاق النار على المتظاهرين، قتل العشرات وفضت المظاهرات في الأيام التيتلت الحادثة. لم يبقَ منزل في المدينة لم يبكِ لفقدان أحد أفراده أو أصدقائه، حتى المشاركة في الجنازات باتت مستحيلة،لأن الشوارع والأزقة تحولت إلى خنادق، وصارت المدينة ساحة حرب.

 وفي الليلة السادسة، اتفق أطراف النزاع على وضع حد لإطلاق النار، فخرج الناس من بيوتهم، ولكنهم ظلوا متخوفين منالتوجه إلى السوق. تغيرت المدينة واستحالت الطرقات خرابا. وشوهتها ندوب الجدران، بفعل البارود وتحولت المنازل إلىركام. انتشرت أشلاء الجثث في الشوارع والمنازل والساحات، وتلطخت الجدران بالدم، تعرضت مئات المتاجر للنهب خلالالمعارك. ورغم ذلك، ظل الناس ممتنين لبقائهم على قيد الحياة. قضيت ليلتي في قازي كاريز، وفي الليلة الثالثة وصلتإلى مدينة قندهار. انتشرت الحواجز كالفطر في جميع أنحاء الجنوب، قطعت السلاسل المعدنية الطرقات، وفرضت إتاوةعلى مرور الأموال والبضائع في كل باص وسيارة وشاحنة تعبر الحواجز. في طريقنا إلى المدينة، أوقفنا قرب ساحةسراي الحاجي صبي صغير، بدا كفتاة عذراء في الـ15 من عمرها يعتمر قبعة شامان، باهظة الثمن، ويحمل مسدسماراكوف، ويدخن سيجارة من النوع الرفيع، طلب إلى سائقنا أن يعطيه شريط كاسيط للمطربة نغمة، فأجابه السائق: يابني، بودي أن أعطيك شرائط نغمة، لكنني لا أملك أيا منها، وأردف قائلا: أنا لا أملك هذا الشريط وليست لدي أصلامسجلة في سيارتي. اعذرني، استشاط الصبي غضبا ومد يده فانتزع مفاتيح الحافلة وأطفأ المحرك وتركنا ومضى. انتظرنا في السيارة على قارعة الطريق، ولم يأتِ من يسألنا ما الخطب. كان هناك ثلاثة رجال حليقي اللحية يقفون إلىجانب الصبي. تمتم سائق الحافلة بصوت خافت: يا إلهي كم هو مهين هذا الزمان الذي نعيش فيه، انظر ما فعل هذاالصبي وما من أحد يستطيع أن يقف ويلقنه درسا، لكن الصبي سمعه واستدار وقفل باتجاهنا وسأله عما نطق به. توترالسائق وادعى أنه لم ينبس بنت شفة. فأخذ الصبي يكيل له الشتائم ويهينه ويتطاول على شرف أمه وشقيقاته. ثم سحبمسدسه ولقمه، فتملكنا الرعب وأخذنا نتوسل إليه: السلام، السلام، لا تقم بذلك بحق الله، ماذا تريد أن تفعل بنا؟!، لكنالصبي ازداد اهتياجا وشتما وغيظا. اقترب الرجال الذين يرافقونه وأمسكوا بذراعه وتوسلوا إليه أن يضبط نفسه. اقتربأحد المرافقين ووقف على مقربة مني فكلمته بهدوء واختصار، قائلا: يا أخي، هذه الحافلة تقل ركابا مسنين ونسوةوأطفالا، وهي تعترض وسط الطريق مسببة زحمة سير. أنتم تحاولون التفاهم مع هذا الصبي، والأجدر بكم أن تأخذوامنه المفاتيح. هو ليس بقائد. جردوه من مسدسه. لماذا تتوسلون إليه. أنتم أكبر منه سنا ورؤية، وهذه الحادثة إهانة لناجميعا. حدق إلي الرجل والعجز باد على محياه، وقال يا صاحبي الملا، لا نستطيع أن نفعل شيئا وعلينا بالحذر، هذاالصبي ابن بارو، يحبه كثيرا. إذا تعرضنا له بالضرب أو بالكلام فسيغضب بارو. قضى الرجال وقتا طويلا يكلمونهويتوسلون إليه. أخيرا أعاد إلينا الصبي المفاتيح وسمح لنا بالمرور.

 قضيت بضعة أيام في قندهار، قبل العودة إلى باكستان في سيارة أجرة عمومية، والطريق مليئة بحواجز لم يفصل بينهاسوى كيلومترات معدودة، بحيث عمل كل قائد أو عصابة على إقامة حاجز خاص، وطلب الأموال والبضاعة لتسهيل المرور. ولا يزال الناس حتى يومنا هذا حين يتذكرون تلك الأيام يطلقون عليها اسم: “طوبا كيعان، أي زمن الرجال المسلحين.



from اليوم 24 https://ift.tt/2DkX1Qx
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو