من المؤكد أن التطورات المتلاحقة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية تثير ردود فعل مختلفة، كما أنها أفرزت قراءات متباينة حول الاعتبارات التي تحكمت في صانع القرار الأمريكي، بين قائل إن الأمر كله مجرد صفقة تقوم على الاعتراف مقابل عودة العلاقات مع إسرائيل، وبين من يربط ذلك بإرادة أمريكية في التخلص من النزاعات الموروثة عن الحرب الباردة في منطقة ذات طابع جيواستراتيجي مهم بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي، وآخرون يعتبرون أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى عقلنة طموحات الأطراف المعنية بالنزاع في الصحراء، وذلك من خلال تثبيت سيادة المغرب وحصر رحلة البحث الطويلة عن الحل في الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب منذ 2007، وذلك لاعتبارات متعددة، منها الوضع غير المستقر في منطقة الساحل والصحراء، والذي يفتح الباب لدخول لاعبين دوليين كبار في المنطقة، وخاصة روسيا، زد على ذلك الفرص الاقتصادية والتجارية التي تمثلها إفريقيا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، وهنا تبرز المواجهة الأمريكية الصينية في القارة. وعلى هذا المستوى، يبدو الدور المغربي أساسيا بعد الاختراقات التي حققها في إفريقيا في العقد الأخير، يضاف إلى ذلك وضع الجمود الذي تعرفه الجزائر والخوف من أن يتحول الأمر هناك إلى حالة سوريا جديدة، بالنظر إلى استمرار الاحتقان السياسي، الاجتماعي والاقتصادي. إذ يبدو أن الالتفاف الذي حاولت مؤسسة الحكم القيام به على مطالب الحراك الاجتماعي لم ينجح، خاصة بعد الفشل الذي عرفه الاستفتاء على الدستور، والارتباك الحاصل في تدبير موضوع الغياب الغامض لرئيس الجمهورية بشكل يُذكر بسيطرة مؤسسة الحكم على السلطة في الجزائر، عندما كان حضور رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة صوريا خلال الفترة من 2013 إلى 2019 بعد إصابته بجلطة دماغية.
التحولات الجارية لم تبح بجميع أسرارها، لكن آثارها الأولية أظهرت هشاشة الموقف في بلدان الجوار، خاصة الجزائر وإسبانيا، فالأولى لازالت تحت وقع الصدمة واختارت الهروب إلى الأمام، وهي تتحدث عن مؤامرات على حدودها، والثانية تسعى إلى دفع الإدارة الديمقراطية المقبلة إلى مراجعة الاعتراف بمغربية الصحراء. ببساطة لأن هذا الاعتراف يضع ضغوطا كبيرة على إسبانيا، خصوصا فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية أو فيما يتعلق بمصير المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، وحدها موريتانيا يبدو أنها بصدد صياغة موقف عقلاني مختلف يأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي تعرفها المنطقة، كما أن الموقف الأمريكي سيساهم في تحرير نواكشوط من الضغوط الجزائرية، ومن النزوع التقليدي للجارة الجنوبية إلى مسك العصا من الوسط، ومن الحياد الذي يتخذ غالبا طابعا سلبيا يجد جذوره في خصوصية موريتانيا وارتباطها بقضية الصحراء، على الأقل منذ 1975.
على المستوى الداخلي يمكن القول إن وقع الصعقة لازال مستمرا، ولأن الأحداث تسارعت في الأشهر الأخيرة، فإن ردود الفعل جاءت تقريبا متطابقة، لكن الملاحظ أن هناك شحا كبيرا في المعلومات. من جهة، لتزامن الاعتراف الأمريكي بعودة مستوى معين من العلاقات المغربية الإسرائيلية، وقد رسم البلاغ الملكي حدودا لتلك العلاقة، ومن جهة أخرى، طبيعة العلاقات الخارجية كمجال محفوظ، بحيث لا تتوفر لنا كافة المعطيات، وبالتالي، فإن هناك كثيرا من علامات الاستفهام حول العديد من القضايا، أولاها مدى إمكانية التزام إدارة بايدن بالإعلان الرئاسي لدونالد ترامب، وثانيها مدى قدرة المغرب مع أصدقائه على تحويل موقف كثير من الدول الداعمة له، من دعم محتشم للحكم الذاتي إلى دعم صريح وواضح، وأخص هنا الشركاء الأوروبيين بمنطق رابح رابح، بما يكفي لتصريف هذا المكسب السياسي قانونيا في الأمم المتحدة، خاصة في ظل الموقف الرافض لروسيا، وفي ظل غموض الموقف الألماني الذي سيعقد مجلس الأمن اليوم بطلب منه اجتماعا مغلقا لبحث التطور المتمثل في الاعتراف الرسمي الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.
from اليوم 24 https://ift.tt/2WDd0iY
source IFTTT
