Home » » حكيم عنكر.. خياط كلمات في الشعر والصحافة والسياسة

حكيم عنكر.. خياط كلمات في الشعر والصحافة والسياسة

لم يكن رحيل الزميل الصحافي والشاعر حكيم عنكر يوم الأربعاء الماضي مجرد رقم آخر ضمن أرقام ضحايا هذا الفيروس اللعين الغادر الذي يواصل الفتك بالأرواح دونما اكتراث، وإنما خسارة فادحة لشخصية بصمت على مسار خاص في الكتابة الإبداعية والعمل الإعلامي. برحيله المباغث، يفقد الجسم الإعلامي، خاصة الصحافة الثقافية، واحدا من أبرز أقلامها الراهنة المشهود لها بالكفاءة والمهنية والأمانة وسعة الاطلاع.

عندما تطالع أشعاره، تجد نفسك أمام شغل شعري رهيف ومزاج خاص، تميزه في الغالب سخريته المريرة. لغته الشعرية مقتصدة، لكنها منسابة كالرمل الذي كتب عنه في ديوانه الوحيد، إلى جانب كتابه الشعري التشكيلي “مدارج الدائرة”، المشترك مع التشكيلية الإماراتية نجاة مكي. صحيح أن ما يعبر عنه شعريا يتخذ أحيانا طابع موقف سياسي، لكنه يترجمه عبر صور شعرية بليغة، كما في الأبيات التالية: “لست شاعرا جبليا/ كي أهتف للقمم/ أنا ابن السهل العريض؛/ حروبنا رموز في الميديا الجديدة/ كر وفر/ والجبناء/ ينتهي أمرهم على ناصية/ الإشاعة/ مثل أيل أحمق/ ينطح جدارا وهميا/ في محمية برية“، أو في هذه الأبيات: “الدكتاتور/ هو النوتة النشاز/ في النشيد الوطني/ والانحراف المخجل/ في سارية العلم. والواضح أن هذه الحمولة السياسية التي تنضح بها قصيدته نابعة ومتواصلة، بلا شك، من التزامه كمناضل في الحركة الطلابية، أيام الجامعة بمدينة الجديدة، وانخراطه في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بالخصوص في لجنتها المركزية، وفي حركة الشبيبة الديمقراطية، ممثلا لرفاقه في مكتبها الوطني.

بالوهج عينه ظل يوقع الراحل حكيم عنكر مقالاته التي لم تقتصر على الثقافة وحدها، بل شملت قضايا السياسة والمجتمع. تبرز مقالاته إسهاما غنيا ومتنوعا، حيث أبدع في متابعاته ومواكباته وتغطياته للأنشطة الثقافية، مثلما تكشف ذلك حواراته ومقروءاته ومراجعاته في الكتب وتقاريره حول أسفاره والندوات والملتقياتالتي يحضرها مشاركا أو متابعا، إلخ. تتبدى هذه الإبداعية حتى في كتاباته حول مواضيع سياسية أو اجتماعية عادة ما تدبج بحبر جاف، كونها لا تسمح بتدفق دسم العبارة المستعارة والصورة الموحية.

لم ينسَ عنكر، في غمرة الانشغالات التحريرية والهموم الإبداعية والضغوط المهنية والاجتماعية، الاهتمام بالقضايا الحساسة في راهن بلده المغرب. إذ من آخر ما كتبه في جريدة “العربي الجديد”، التي يتولى فيها مسؤولية سكرتارية التحرير، مقالة حول واقعة الكركرات الأخيرة، حيث حاول إبراز الالتباسات التي تكتنف ملف الصحراء المغربية، سواء في علاقته بالسيرورة الأممية أو ارتباطا بالمقترحات المغربية، خاصة مقترح الحكم الذاتي أو فيما يتصل بتداعيات الاستعمار المتواصلة إلى اليوم. كما اهتم بقضايا أخرى مطروحة على المغرب اليوم منها: إكراهات الأزمة الصحية، الوضع السياسي العام، الانتخابات البرلمانية، القاسم الانتخابي ووضع حزب العدالة والتنمية، الإرهاب، التطبيع، إلخ.

كما اهتم عنكر طوال الشهور الأخيرة بقراءة كتب الرحلات والكتابة عنها عشرات المقالات تصلح أن تجمع وتنشر في مؤلف خاصة. إذ كتب عن رحلة التمكروتي إلى تركيا، والشدياق إلى أوروبا، ورحلة الطبيب ألبرتو غراندو مع رفيقه تشي غيفارا، والبريطاني الشاب كينغلك إلى فلسطين، والفرنسي أندري شوفريون إلى المغرب، ومحمد علي إلى جاوة، ويوميات الإنجليزي صامويل إيفرز ورحلته من الهند، عبر الطريق البري، إلى أوريا، ومشاهدات الدبلوماسي الفرنسي هنري غيز ببلاد الشام، والألماني هابنسترايت بلامبيدوزا وطرابلس، والفرنسي جون شاردان إلى بلاد فارس، والهندي أبو طالب خان إلى لندن، وابن بطوطة، وغوته إلى إيطاليا، واللبناني أمين الريحاني إلى جبل طارق، وإلياس كانيتي إلى المغرب، والفرنسي شارل ديدييه إلى الحجاز، والأسير مويط بمدينة سلا، والياباني توكوتومي كينيجيرو إلى مصر وفلسطين، والبريطاني جون جاكسون إلى العراق، وغيرهم كثير.

في هذه الكتابات كلها، كان حكيم عنكر خياط كلمات، يخيطها بصبر وحنكة وثبات خياط أثواب ماهر. ينسج عبارات ساحرة في الشعر، مثلما يبسط رؤية معرفية نادرةفي المقالة، مهما كان موضوعها. رحيله في هذا الوقت خسارة فادحة للصحافة الثقافية في زمن الاستهانة بالكلمة الجادة والهزيمة أمام سيل التفاهة الهادر.



from اليوم 24 https://ift.tt/34a29RQ
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو