Home » » السياسة في زمن “الأمية”

السياسة في زمن “الأمية”

ما حدث على الساحة السياسية في الأيام الماضية لم يفاجِئني. ما فاجأني حقا هو هذا الإحساس بالمرارة الذي غمرني (ولعله انتاب كثيرين مثلي).. تلك المرارة التي تذكرني بتشبثي العبثي بخيط الدخان المتلاشي دوما.. هذا الخيط الذي يوهمني بأن في طرفه الآخر يقبع الأمل في الوصول يوما ما، إلى ممارسة سياسية قليلة الأمراض.

لم أكن يوما من أنصار العدالة والتنمية، لأن العقيدة الفكرية والقيمية التي يقوم عليها تختلف كثيرا عما أؤمن به، وأحاول جاهدا الالتزام به في مجتمع شديد التعقيد ويستمرئ التجول بالجينز والكوستيم والتنورة، وبينما يرسل لحيته الكثة ويضع النقاب في دواخله. ومع ذلك لا أخفي أنه انتزع مني، في السنين القليلة الماضية، الاحترام نظرا لقدرته على التعبئة وتسويق خطابه، ولتنظيمه المحكم إلى حد كبير بمقاييسنا المغربية طبعا.

لكن ما قدمه من تنازلات مثيرة وقبوله بشروط ظل يرفضها طيلة شهور طويلة حتى يحتفظ بالأغلبية في مجلس النواب، جعلني أضعه في هذا الجارور الأسفل، حيث أُلقي بكل الأحزاب المغربية تقريبا التي لا طعم لها ولا لون، فما بالك أن تكون لها قيم وتوجهات واضحة وبرامج رصينة.

إن العلاج الذي اعتمده رئيس الحكومة، طبيب النفس سعد الدين العثماني، (أو دُفع إلى اعتماده) للخروج من أزمة “البلوكاج”، يؤكد فقط، ما قاله المفكر المغربي عبدالله العروي قبل سنوات: “في ظل الأمية، السياسة طاغية ومنحطة”.

والحال أن الكائن المغربي، في عمومه مازال “أميا” بالمعنى الذي يعطيه العروي للمفهوم. فالأمي عند العروي هو “من لا يزال يعيش في حضن أمه” و”يتصف بصفاتها” ويعمل على إرضائها” و”يعيش في حماها ولا يتعدى أفق حياتها حتى عندما يهاجر بعيدا عنها”. ولعل الأم هنا ليست الوالدة فقط، بل هي الأسرة والزاوية والمسجد، وهي كلها مؤسسات مازالت محافظة. ويضيف العروي أن هذه الأمية لا ترتفع حقا سوى حين “يستقل المرء بذاته ويرى فيها المادة التي يشيد بها الكيان السياسي”. أي بعبارة أخرى لن يتحرر الكائن المغربي من هذه الأمية، وبالتالي من هذه السياسة المنحطة”، سوى عندما يبلغ مرتبة الفرد الكامل في فردانيته.

فهذه “الأمية” تحرف السياسة عن معناها الأصلي، أي المشاركة في تدبير شؤون الـpolis (المدينة)، وتحولها إلى مجرد تدبير لحسابات السلطة.. ومجرد إرضاء لأهواء الكائنات الحزبية.

هذه “الأمية” تنزاح بالديمقراطية عن كونها “سلوك يتشربه الفرد صباح مساء”، حسب تعبير المفكر المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي، ويجعلها مجرد “شبهة”.. مجرد واجهة خادعة تقف عند عملية حسابية فجة وسطحية.



from اليوم 24 http://ift.tt/2nHxerd
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو