Home » » على الصدر الذي يتسع لعمر ألا يضيق بناصر

على الصدر الذي يتسع لعمر ألا يضيق بناصر

لم ينجح الإنزال الوزاري الذي قامت به الدولة بمناطق الريف في إطفاء نار الاحتجاجات. لم تنجح وسائل الإعلام العمومي في إقناع المحتجين بـ”القفزة النوعية” التي تعرفها أقاليم الريف وبالمجهودات الجبارة المبذولة هناك، والمشاريع الواعدة القادمة في الطريق. من المعطيات المتاحة إلى حدود كتابة هذه السطور، تبدو الدولة أقرب إلى الإخفاق في إدارة ملف الحراك منه إلى النجاح.
لكن دعونا قبل أن نمضي في تحليل إدارة الدولة لما يجري بالريف أن نقف عند حدث شكل نقطة تحول فارقة في مسار الحَرَاك. لا أفهم كيف لم يجد خطيب جمعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأحد مساجد الحسيمة القريبة من مسكن النواة الصلبة للحراك، إلا الحديث عن ثنائية “الفتنة” و”الاستقرار”. رغم ذلك، فلا ألوم الخطيب الذي يتّبع أوامر وتوجيهات الوزارة، ألوم من أفتى بأن تكون خطبة الجمعة حول هذا الموضوع بالذات.
هل من أفتى وأوصى بالحديث عن نعمة الاستقرار وشرور الفتنة في ذلك التوقيت والمكان يبحث فعلا عن ترسيخ الاستقرار؟ ماذا كان يُنتظر من شباب يقودون حراكا سلميا بمطالب اجتماعية واقتصادية، يدخلون مسجد الحي، طلبا للعروج في جماليات الإيمان، بعيدا عن هواجس الحراك ومتاعب النضال، فإذا بهم يسمعون خطبة تكاد تحرّم الاحتجاج والتظاهر، وربما تلصق بهم تهمة إثارة الفتنة؟ موعظة يصدق عليها المثل القائل: “إياك أعني واسمعي يا جارة..”.
ديكتاتورية المنابر تكون أحيانا عسيرة الهضم. هناك من يسبح في أفكاره هربا منها، مكتفيا من الشعيرة بالمظهر، وهناك من قد ينسحب بهدوء من المسجد، وقد يحدث، في حالات قصوى، أن يحتج وهو يرى أن الدين لم يعد لله. لا أوافق الزفزافي في فتح حلقية داخل المسجد. ليس انتصارا للوزارة، ولكن انتصارا للدين. بطريق المخالفة، وقع الزفزافي في ما ينتقده ويعيبه على “المخزن”. لكني لا أجرّد ما قام به من سياقه. وما كنتُ لأنصح بإصدار بلاغ استنكاري بخصوصه، بله أن يعقب البلاغ أمر بالاعتقال!
ذلك لأن نجاح أو إخفاق الدولة في تدبير هذا الملف يحسب بالخواتيم. والخواتيم تبنى على المقدمات. والاستنكار والاعتقال مقدمتان سيئتان. فالدولة تحتكر الاستعمال المشروع للعنف، وبإمكانها توظيف هذا الاحتكار لخنق الاحتجاج بلجوء مفرط إلى هذه المشروعية، عبر تطويق الاحتجاجات في الشوارع واعتقال رموزها. إلا أن ذلك لا يقضي على روح الحراك، يقضي فقط على تحققه المادّي الآن، وبالتالي لا يمنع تكراره بطريقة أعنف وأقوى وأوسع في المستقبل. وبنهاية مشابهة تكون الدولة قد أخفقت.
أما إذا انتهى الحراك بإعلان المحتجين بأنفسهم وقف المسيرات والاحتجاجات كثمرة لنوع من المفاوضة الجماعية غير التقليدية مع الدولة، فيعني ذلك أن الدولة نجحت. لا يوجد في جلوس الدولة مع الرموز الفعلية للمسيرات أدنى عيب، أو مساس بهيبة الدولة. ضمور قنوات الوساطة (الأحزاب، النقابات، الجمعيات..) لن يُحل الآن. صحيح أن هذا هو الوقت المناسب لإعادة تقدير كلفة تفسخ هذه القنوات، لكن الظرف غير مناسب للاعتماد عليها. لذا الاجتماعات مع ممثلي السكان، أي المنتخبين، عوض الممثلين المؤقتين للشارع، أي قادة الحراك، كانت إشارة في الاتجاه الخطأ.
مرة قال لي صديق، بعدما انتهى من مشاهدة مداخلة نارية للنائب البرلماني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر بلا فريج، في مجلس النواب. “هذه هي روعة المملكة. إن كان هناك من استثناء حقيقي، فهو أن يقول بلا فريج كل هذا الكلام القاسي والصعب والجريء ثم ينزل من المنصة، ويعود إلى مقعده، ويصعد نائب آخر مكانه، وكأن شيئا لم يكن. هذا مشهد شبه مستحيل في دول عربية أخرى”. وفعلا، أمر جميل ويحسب للمملكة أن يلقي هذا النائب خطابات قوية من داخل قبة البرلمان. لكن على الصدر الذي يتسع لعمر ألا يضيق بناصر.



from اليوم 24 http://ift.tt/2ss6z0K
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو