في هذا الحوار العميق يحذر ماريو بارغاس يوصا (1936)، الكاتب البيروفي الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 2010، من خطر عودة القومية إلى المشهد السياسي، وما قد يترتب عنها من كوارث، كما حدث في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية. كما يدعو إلى إعادة الهيبة إلى الكتب الورقية بدل الشاشات، لأنها وحدها القادرة على صناعة الحس النقدي لدى القارئ. إذ يرى أن القارئ الرقمي يسهل التلاعب به مقارنة مع القارئ الورقي.
في سن الشباب، كنت تعتبر الكتابة تمردا. هل لازلت مقتنعا بذلك التقييم، لاسيما وأنك تخليت عن أفكارك اليسارية، وتدافع اليوم عن الليبرالية؟
اتخاذ قرار الكتابة، وخلق عالم مواز عن طريق الكلمة، هو بالنسبة إليّ نوع من التمرد وعدم الخضوع. فإذا كان العالم، كما هو عليه اليوم، يرضينا ويسعدنا، فلماذا سنخصص نحن معشر الكُتّاب الساعات الكثيرة من الوقت، ونواجه العديد من المعيقات، من أجل خلق عوالم أخرى موازية؟ لا يختلف اثنان في أن الكتابة موقف تمردي ونقدي للعالم.
وماذا عن القراءة؟
بالطبع، تدفعنا الكتب الجيدة والرصينة إلى تبني مواقف نقدية جدا تجاه العالم. هذه العينة من الكتب، تعرض الأحداث بطريقة متماسكة، رغم أنه في الحياة لم تكن لدينا أبدًا فكرة التماسك هذه. لا نعرف الدوافع الكامنة وراء السلوكيات، ولا نعرف ماهية عواقب بعض المواقف؛ في المقابل، كل هذا يكون واضحا في الأعمال الإبداعية والأدبية. أعتقد أن القراءة تتضمن نوعا من اكتشاف عوالم أجمل بكثير من تلك التي نعيشها راهنا، وهذا يشحذ الموقف النقدي الذي أشرت إليه سلفا. لهذا أرى أن المجتمع المتشبع جدا بالأدب الجيد، هو مجتمع أفراد لديهم حس نقدي ومن صعب جدا التلاعب بهم من قبل السلط النافذة في هذه المجتمعات التي تقل فيها نسبة القراءة أو بالكاد تَقْرَأ.
في زمننا هذا هل حلت الشاشات الرقمية محل الكتب؟
صحيح أن هناك تنافسا بين الشاشات والكتب، وهذا للأسف له تأثير في أوساط الشباب. ورغم ذلك يطرح التساؤل التالي، هل هذا يعني أن الكتب في تراجع، أو أنها لا تحظى بمكانة بين الأغلبية؟ بالنسبة إليّ هذا إشكال مهم، لأنني غير متأكد إن كانت الشاشات بإبداعها وجودتها، قادرة على شحذ الحس النقدي. القارئ الرقمي من السهل بكثير التلاعب به من قبل السلط النافذة في هذا العالم، مقارنة مع شخص نهل من القراءات الجيدة في الورق.
وما الذي يجب القيام به في هذه الحالة؟
هذا مرتبط بنا. إذا كنا نؤمن بأن الكتب مهمة، يتوجب علينا تنظيم الحياة بطريقة تسير في اتجاه صناعة قُراء يمتلكون حسا نقديا ويقرؤون الأدب الجيد، لأنه كما أن هناك أدبا جيدا، يوجد أدب سيئ، والذي ليس بأي شكل من الأشكال متمردا، بل انبطاحي. يجب أن تتعايش الكتب والشاشات، وليس أن تُسحق الكتب من قبل الصورة، لأن الأفكار مهمة وأساسية.
الصور لا تعوض كليا الأفكار. كل هذا يجب أن ينعكس على التربية لأن هذه الأخيرة والمدرسة هما من يصنعان القراء الجيدين. لأنه إذا لم تتعلم تذوق الأدب في الصغر يصبح الأمر معقدا في سن الرشد. من لم يتطبع بالقراءة من الصعب عليه أن يكتشف أهمية القراءة في الحياة.
تتحدث كثيرا عن «السلط». هل حاربتها؟
بدون شك. بل أكثر من ذلك، كأمريكي ـ لاتيني عانيت من ويلات الديكتاتوريات؛ عاينتها واكتويت بنارها. عندما كنت صغيرا كانت الديكتاتورية تنتشر في أمريكا اللاتينية من شمالها إلى جنوبها. لكن لحسن الحظ كل هذا تغير. اليوم، لدينا ديمقراطيات، أغلبها فاسدة، لكن ديمقراطية فاسدة أهون من الديكتاتورية، لأنه في كل الديكتاتوريات هناك فساد، فقط لا يظهر، ولا يجد طريقه إلى الصحافة، نظرا إلى غياب القدر الكافي من الحرية للتنديد به.
تتحدث عن الديمقراطيات، لكن الآن تردد عبارة «الديمقراطية المستبدة»، لاسيما فيما يتعلق ببعض دول شرق أوروبا..
هذا كله هُراء، ذلك لأن الديمقراطية تتعارض مع الاستبداد. والاستبداد (autoritarisme) هو نوع من المجتمع المسحوق من قبلِ سُلطة غاشمة لا تسمح بحرية التعبير ولا النقد ولا المعارضة. في المقابل، تنفتح الديمقراطية على كل القضايا المثيرة للجدل، وكل الأفكار، وكل المعتقدات. لذلك يوجد بَوْن شاسع جدا بينهما.
وما هو الخطر الداهم اليوم؟
هو عودة ظهور القوميات التي تتعارض مع الديمقراطية، ومع السلام، ومع التعايش في ظل التعديدية، باعتبارهما يشكلان أساس للديمقراطية. إذ تسعى القومية، دائمًا، إلى الرجوع إلى ذلك المجتمع المتجانس الذي لم يسبق أن كان في الأصل، حيث يُعتقد أن الكل يتقاسم نفس العقيدة واللغة والعرق. في الواقع، لم يكن ذلك موجودًا، علاوة على ذلك، إنه حلم ملأ تاريخ البشرية بالدم والجثث. إنه لخطر كبير، إنه الخطر الجديد. قبل ذلك كانت الشيوعية، لكنها انقرضت واختفت عمليا، باستثناء بعض الاستثناءات القليلة. لكن، عودة ظهور القوميات أصبح حقيقة في عصرنا هذا، إلى درجة أنها تهدد مشروعا خيّرا وإيثاريا، كما هو حال دستور أوروبا. إنه تهديد واضح جدا. لهذا أعتقد أنه من الضروري أن يتحرك محبو الديمقراطية والمدافعون عنها لمواجهة القومية الشوفينية بالأفكار في معركة فكرية. يجب أن نشرح للناس أن الديمقراطية لا تتوافق مع القومية. في أوروبا، يجب علينا إعادة النظر في الماضي ليس البعيد، بل القريب، لنرى حجم الدمار الذي أحدثته الحربين العالميتين، علما أن الحربين كانتا نتيجة مباشرة للقوميات.
بالعودة إلى ما هو أدبي، كيف تطور النثر لديك منذ بداياتك الأولى إلى اليوم؟
أعتقد أنه مع مرور السنوات تتراكم التجارب لدى المرء، وكل هذا يظهر جليا ساعة الكتابة. شخصيا لا أنتبه إلى كيف أن مرور السنوات يمكن أن يؤثر في كتاباتي؛ وفي طريقة نسج القصص وكتابتها. رغم أنه يجب أن أعترف أنني أرصد هذا (التطور) في كتابة الآخرين، أكثر منه في تجربتي. ربما أنه عندما ينظر الواحد إلى وجهه في المرآة لا يعرف قدره. هناك تعبير إنجليزي يعجبني وخير معبر يقول: «رجل لكل الفصول». هذا التعبير يمكن إسقاطه كثيرا على «الشيخوخة»، التي هي فصل من فصول العمر. كل الفصول تمنحُ فرصا، وكلها فيها الكثير من إمكانيات الإبداع، وفقا لكل فصل.
إذن، هل أنت متفائل بهذا الخصوص؟
إذا كان الواحد يقوم في الكبر بما كان يقوم به في الشباب، فإنه سيشعر لا محالة بإحباط شديد. لكن في سن متقدمة هناك تجربة متراكمة يمكن أن تدفع إلى القيام بأشياء تناسب هذا الفصل أو هذه المرحلة، والتي يمكن أن تكون مبدعة جدا.
المعروف هو أن لا أحد منا يقبل الشيخوخة..
في نظري لا ينبغي النظر إلى الشيخوخة كانحطاط. هناك شيء مادي منها يكون حاضرا، لكن اليوم يمكن مقاومتها أكثر من أي وقت مضى، لاسيما في زمن تطورت فيه العلوم كثيرًا. لا ينبغي لأي كان أن يشعر بالإقصاء أو التهميش. ما يحدث اليوم، هو أن المجتمعات لم تعد مستعدة لدعم كبار السن، ولا تعرف ماذا تفعل معهم. إنها تقوم بتهميشهم وإقصائهم، وحبسهم في دور خاصة للعجزة التي أعتبرها أفظع شيء يمكن أن يحدث لرجل طاعن في السن؛ الإحساس بأنه على هامش الحياة. وبعد ذلك، من الطبيعي أن يبدأ كبار السن في انتظار الموت، وهذا الانتظار في حد ذاته، هو أتعس شيء يمكن أن يحدث للإنسان.
بتصرف عن «لاراثون»
from اليوم 24 http://bit.ly/2HONn82
source IFTTT
