جورج فلويد لم يكن مشهورا. قُتل في عاصمة الولايات المتحدة، بزقاق صغير في مدينة مترامية الأطراف. غير أنه صار فجأة في موته الحجر الأساس لحركة احتجاجية اجتاحت كامل أمريكا. وبشكل أكثر بروزا، ألهم موته احتجاجات خارج الحدود من البرازيل إلى إندونيسيا مرورا بفرنسا وأستراليا. الإرث الذي خلفه فلويد يتمثل في الآمال الواعدة بالإصلاح الاجتماعي، وهي آمال أغلى من أن تهدر سدى.
الأنظار كلها اليوم مسلطة على أمريكا. الاحتجاجات بها هي الأوسع في التاريخ الطويل للمسيرات بالبلاد. بعد تفجر الغضب إثر مقتل فلويد، ظلت المسيرات سلمية في معظمها. ونجحت في أن تجذب إلى صفوفها المواطنين الأمريكيين من مختلف الأعراق، وهذا الأمر سحب البساط ممن ظنوا أنه بالإمكان استغلال الاحتجاجات سياسيا وتقديمها على أنها تهدد بإدخال البلاد في الفوضى. وما بدأ احتجاجا على العنف الأمني ضد الأمريكيين من أصول إفريقية، انقلب احتجاجا على العنصرية في كافة أشكالها.
بالمقابل، المسيرات التي انطلقت خارج الولايات المتحدة انطلقت بأسباب متباينة نسبيا. بالمكسيك وجنوب إفريقيا، كان موضوع المسيرات العنف الأمني بشكل أساسي. بالبرازيل، حيث ثلاثة أرباع من مجموع 6222 شخصا الذين لقوا حتفهم على يد الشرطة من السود، يُعد العرق عاملا محددا في الاحتجاجات. في أستراليا، انطلق النقاش حول أوضاع السكان الأصليين. بعض الدول الأوربية التي دأبت على التنديد بالولايات المتحدة بسبب التمييز العرقي، بدأت تفهم أنها تعاني مشكلا داخل حدودها. أنجيلا ميركل نصحت الألمان بانتهاز الفرصة ووضع حد للعنصرية الداخلية. ودول أخرى عديدة بدأت تطالب بإسقاط التماثيل المنصوبة في الساحات العمومية لشخصيات عنصرية.
من الصعب تحديد سبب اشتعال النار الآن فقط وليس في تاريخ سابق. لا أحد نظم مسيرة في باريس في 2014 بعدما تم تصوير إريك غانر وهو يموت خنقا على يد البوليس بستايتن آيلد بنيويورك، ولا أحد نظم مسيرة بنيويورك نفسها. ربما الانتشار الواسع للشبكات الاجتماعية يعني أن ما يكفي من الناس شاهد هذه المرة الدليل بعينيه. بلا شك الجائحة لعبت دورا أيضا بتقريب الأفراد بعضهم من بعض وخلق تجربة مشتركة.
كما أن حجم المظاهرات له صلة أيضا بالرئيس ترامب. حين قتل غارنر، كان لدى الولايات المتحدة رئيس له القدرة على توحيد الأمة في لحظات التوتر العرقي، ووزارة عدل تتولى أمر قطاعات الشرطة المتمردة. اليوم لدى الولايات المتحدة رئيس يغذي الفرقة والانقسام.
لكن بشكل أساس، ومن حسن الحظ أن الاحتجاجات تعكس رفضا متناميا للعنصرية في حد ذاتها. نسبة الأمريكيين الذين يرون التمييز العنصري في بلادهم مشكلا كبيرا بلغ 51 بالمائة في يناير 2015 مقابل 76 بالمائة حاليا. وهناك اتجاهات مشابهة مسجلة في عدة بلدان من مثل بريطانيا (52 بالمائة) وفرنسا (77 بالمائة) ودول أخرى.
أمريكا فكرة وبلاد في آن واحد. حين لا ينسجم الاثنان يلحظ ذلك غير الأمريكيين بشكل أكبر قياسا إلى حدوث انتهاك ما بالمكسيك أو روسيا مثلا. وفي عمق هذه الفكرة حول أمريكا قناعة بأن التقدم ممكن دائما.
وهذا التقدم بدأ يحدث في ثلاثة أشكال. أولا، في مجال الإجراءات الأمنية حيث حظرت ولايات ومدن تحييد المشتبه فيهم عبر الضغط على الرقبة، كما أن هناك خططا لتقليص ميزانية الأمن وصرفها في قطاعات أخرى، مثل السكن والصحة النفسية والحد من نقل الأسلحة المنقولة من وزارة الدفاع إلى قطاعات الشرطة.
ثانيا، بدأ يقع الاعتراف بالحاجة إلى تغيير شامل من الحكومات المحلية والحكومة الفدرالية. متوسط الثروة الصافية لأسر الأمريكيين الأفريقية هو 18 ألف دولار، أي عشر الثروة الصافية للأمريكيين البيض. وهذا المعدل لم يتغير منذ 1990. أحد الأسباب البارزة لهذا الوضع يعود إلى استقرار السود من أصل إفريقي بأحياء منفصلة جامدة عرقيا وبعيدة عن البيض وحيث العقارات رخيصة جدا. هذا الفصل يفسر الفوارق في التعليم والأمن والصحة. وللحكومة دور في تقليص كل ذلك.
ثالثا، بدأت الشركات تشعر أنها أيضا جزء من المشكل أيضا وليس فقط داخل أمريكا. أكثر فضاء يختلط فيه الناس هو العمل، لكن رغم ذلك، فقط أربع شركات من الشركات الخمسمائة الكبرى وفقا لتصنيف مجلة فورتشن لديها مديرون تنفيذيون سود، و3 بالمائة فقط من كبار المسيرين الأمريكيين من السود.
التغيير المجتمعي الشامل مطلب صعب. لكن حين تجتمع إرادة المواطنين على نصرة مطلب ما (والحالة هذه وقف العنصرية)، فلا شيء يمكن أن يوقفها. وهذه هي قوة الاحتجاجات.
from اليوم 24 https://ift.tt/3d0B70D
source IFTTT
