خلال تدبير أزمة كورونا، وفي ظل مرسوم حالة الطوارئ، كثر الحديث عن دور النيابة العامة وأسلوب تعاملها في هذه الظرفية بين من يثني على عملها ومن ينتقده. ما رأيك؟
بالنسبة إلى التجارب المقارنة يوجد مظهران أساسيان يغلبان في تعامل الدولة من أجل المحافظة على النظام العام بصفة عامة، وخاصة النظام العام الصحي. إذ هناك تدابير الشرطة الإدارية ذات الطبيعة الأمنية المرتبطة أساسا بالحفاظ على الأمن العمومي والصحة العمومية، حيث تُوظف مجموعة من الآليات التي، ربما، ليست معتادة في الظروف العادية. أما المظهر الثاني، فهو البعد الزجري الذي يختلف حسب السياسة الجنائية في كل دولة. إذ هناك دول تغلب جانب الغرامات المادية، وقد لاحظنا كيف أن الغرامات في بعض التجارب الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا تصل إلى مبالغ خيالية، وأساسا في إسبانيا، حيث تبدأ الغرامة من 3000 أورو فما فوق، وإما هناك دول تغلب الجانب الزجري. المغرب زاوج بين المظهرين في قانون حالة الطوارئ الصحية، حيث تكلم عن الغرامات وعن العقوبات الحبسية. كما لا يمكن الحديث عندنا عن غرامات 20000 درهم أو 30000 درهم وغيرها من الغرامات المادية. لذلك وجدنا تدابير تتخذها الشرطة الإدارية وأخرى الشرطة القضائية، ومن ضمنها عملية التوقيفات التي باشرتها الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة، لكن قراءة الأرقام تعطينا معطيات أخرى.
كيف تقرأ أرقام الموقوفين؟
الأرقام التي كانت تعلن عنها النيابة العامة بكيفية متواترة أظهرت أن نسبة المتابعة، بناء على التوقيفات التي جرت في حالة الطوارئ الصحية، لم تكن تتعدى 5 في المائة، وحتى ضمن هذه النسبة، فالمتابعة لا ترتبط فقط، بخرق لحالة الطوارئ الصحية أو للحجر الصحي، بل إن من الخروقات ما كان مرتبطا بجرائم الاغتصاب أو السكر العلني أو السرقة، أو غيرها من الأفعال المجرمة بمقتضى القانون الجنائي. ثم إن النيابة العامة تعاملت بنوع من المرونة مع هذه القضايا، حيث كان يجري إطلاق سراح الموقوفين، بسبب خرق الطوارئ الصحية. ثم لا ننسى، كذلك، أنه ليست لنا دراسة عميقة للناس الذين جرى توقيفهم أو تقديمهم، هل كلهم كانوا في حالة خرق أو أن واقعهم الاجتماعي وطبيعة السكن الذي يسكنون فيه كان يدفعهم للخروج، أو أن الظروف الاقتصادية تدفع بعضهم لخرق حالة الطوارئ من أجل البحث عن فرص عمل وغير ذلك. كل هذه المعطيات يمكن أن تعطينا الأسباب الحقيقية وراء هذا الخرق الذي أقدم عليه عدد من المواطنين، ومن الأكيد أن تكون هناك حالات مرتبطة، أساسا، بأفعال إجرامية، كما أشارت إلى ذلك تقارير النيابة العامة.
من ناحية الفاعلية، هل التوقيفات تذهب في اتجاه معاكس لمنطق الحماية الصحية في ظرفية الوباء؟
أمام هذه الجائحة وجد المغرب نفسه أمام خيارين، إما تبني الخيار الردعي أكثر مما هو عقابي وزجري، وإما خيار الغرامة. وفي هذا الصدد، لا أعتقد أن المواطنين، الذين يجري توقيفهم، بإمكانهم أداء غرامات مالية باهظة، لذلك، ركز المشرّع على الطابع الردعي للعقوبات، ولكن دون أن يجعلها عقوبات غير قابلة للتطبيق.
اتُّخذ قرار تمديد حالة الطوارئ، في حين لم يدخل أي تعديل على المرسوم المنظم لها، رغم أن هناك حديثا عن إجراءات للتخفيف من الحجر. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
صحيح أن هذا القانون لازال ساري المفعول، لكن لاحظنا أنه حتى في بلاغات الحكومة أن عملية التخفيف تشمل جوانب كثيرة، بما فيها الجوانب المتمثلة في خرق الحجر الصحي أساسا، وهي التدابير التي كانت وراء هذا الخرق، ونتكلم أساسا عن الحجر الصحي لأنه هو الذي كانت فيه مشاكل ملحوظة، على عكس خرق حالة الطوارئ، الذي لم يكن بالدرجة عينها. ومع تراجع الوباء في بعض المدن، لم تعد هناك حالات توقيف، وأنا شخصيا منذ مدة لم أعد أرى بلاغات النيابة العامة حول تطور عدد الموقوفين، وهذا يعني أن السلطات العمومية خففت من عملياتها، لأن المتحكم في عميلة التوقيف يرتبط أساسا بخطر الوباء، وكلما قل الخطر يقل الحديث عن الخروقات كيفما كانت. وهذا هو الحاصل اليوم.
from اليوم 24 https://ift.tt/3hvWOce
source IFTTT
