Home » » الزمن الذي كان.. الإدريسي: في الجزائر عرفت لأول مرة أنه يمكن أن يكون الإنسان عربيا ولا يكون مسلما -الحلقة17

الزمن الذي كان.. الإدريسي: في الجزائر عرفت لأول مرة أنه يمكن أن يكون الإنسان عربيا ولا يكون مسلما -الحلقة17

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات الرمضانية، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

أشرت سابقا أن الجزائر كانت مقصدا للمهاجرين المغاربة، وبخاصة الريفيين، فماذا كان وضع الهجرة إليها بعد الاستقلال؟

في الواقع كانت الجزائر، آنذاك، تمر بمرحلة الانتقال من الاستعمار إلى الاستقلال، مع ما تحمله المرحلة من إعادة النظر في أمور كثيرة. ومن بين تلك الأمور وضع العمال الأجانب؛ فقد بدأت القوانين الجديدة تشدد شروط عمل الأجانب. ثم إن المجال الزراعي الذي كان يستقبل الأعداد الهائلة من اليد العاملة المغربية قد انتقل من تسيير المعمرين المعروفين بـ”الأرجل السوداء(Les pieds noirs)”، إلى نظام اشتراكي حمل شعار “التسيير الذاتي”؛ فقد حلت أنظمة وضوابط جديدة محل أنظمة المعمرين. ومن ثمة لم يكن للمهاجرين المغاربة حق العمل. أما الأمر الآخر فيتمثل في المشاعر العامة غير الحبية التي نجمت عن حرب الرمال بين المغرب والجزائر (أكتوبر 1963)؛ وهي ثاني حرب للجيش الملكي بعد حربه ضد الريف سنتي 58 و 1959. وأعتقد بأن حرب الرمال قد حققت أهدافها لكلا الطرفين، المتمثلة بصفة خاصة في تقوية المشاعر الوطنية المعادية للآخر، والمكوِّنة لحصن يصعب اختراقه من قبل شعارات الوحدة المغاربية التي سادت صفوف الحركات التحررية في زمن الاستعمار، والتي بقي الأمير الخطابي وحده وفيا لها، كما هو معروف..

لكن، نعرف أن الجزائر كانت تستقبل أعدادا أخرى من المغاربة من غير مهاجري العمل، أليس كذلك؟

المغاربة الذين كانوا يقصدون الجزائر بكثرة، إما أنهم لم يكونوا على دراية تامة بالأنظمة الجديدة لولوج سوق العمل هناك؛ وإما الذين كان هدفهم الحصول على جواز السفر المغربي من إحدى قنصليات المغرب هناك، كي يستطيعوا الهجرة إلى أوروبا؛ فقد كان باب الهجرة ألأوروبية قد فتح للمغاربة، وكان الحصول على الجواز في المغرب يتطلب محسوبية كبيرة، أو دفع مبالغ مالية ضخمة للوسطاء والسماسرة، (تجار البشر الحقيقيين). ويستثنى من ذلك من كان مؤهلا رسميا للهجرة عن طريق التعاقد؛ والتعاقد للعمل في أوروبا كان له مسالك وميزانيات أخرى. ونعلم أن حصول الشخص المغربي يومذاك على جواز السفر كان كمن انفرجت له ليلة القدر بالخير العميم، وكان شعوره لا يقل عمن نجا من الغرق.

كانت هناك أعداد كبيرة جدا من المغاربة ينتظرون ليلة قدرهم أمام قنصليات بلدهم، لكي يحصلوا على جواز السفر الأخضر، لتخضرّ به حياتهم وحياة أسرهم بالهجرة إلى أوروبا. ولم يصبح جواز السفر في المغرب حقا متاحا لكل المغاربة، إلاّ بعد أن فرض الأوروبيون تأشيرات ولوج أراضيهم في التسعينيات من القرن العشرين. ومن جهة ثانية، كان منظر تلك الأعداد البشرية في الجزائر تثير كل أنواع الشفقة، بل كانت تطرح تساؤلات كثيرة عن مكانة المغاربة في دولتهم. فقد كانت الجموع تبيت في العراء، ويقوم بعضهم بأي عمل قصد تحقيق هدفهم؛ بما في ذلك الشعوذة والسحر. ونعت السحار صفة لصيقة بالمغاربة لدى الجزائريين والتونسيين، بل حتى عند المصريين… ما يجعل صورة المغرب صورة بئيسة، ومكانة المغاربة وطيئة.

وماذا عن موقف سفارة المغرب إزاء هذه الوقائع؟

روى لي أحد مغاربة الجزائر، من أصول زناسنية، اسمه عبد العزيز جفجاف، أنه ومجموعة من مغاربة الجزائر قرّروا زيارة سفير المغرب يومذاك، وأظنه محمد عواد أو يوسف بلعباس، لطرح الوضع المزري للمغاربة في الجزائر، وليعرضوا أمامه الصورة المشوّهة للمغرب، التي تؤثر سلبا على صورة المغاربة لدى الرأي العام الجزائري. فما كان من سفير صاحب الجلالة إلاّ أن زجرهم، وفقا لرواية السيد جفجاف. قائلا لهم: إن أولئك المغاربة الذين ترون أنهم يشوهون صورة المغرب هم أفضل منكم، فهم يعملون على إدخال أكياس من الدراهم لبلدهم وليسوا مثلكم.

قال لي السيد جفجاف: خرجنا من مكتب السفير ونحن ننظر إلى بعضنا البعض بكثير من الاستغراب الاستفهامي. وكان السؤال الحارق للعزة الوطنية، هو: هل نَنْظَمّ إلى المعارضة التي يقودها المهدي بن بركة في الجزائر، أو يقرر كل واحد منا القرار الذي يناسبه؟ مع قرارنا الجماعي بأن العودة إلى مقابلة السفير يعد عبثا، حسب تعبيره. أما أنا، يقول محدثي، قررت الاختفاء في اكتساب الجنسية الجزائرية التي أستحقها بسبب مشاركتي في حرب التحرير، كي أبتعد عن عالم لا ترى فيه السفارة إلا أكياسا من الدراهم ولو على شرف المغرب، والابتعاد عن المعارضة التي لا ترى في مغاربة الجزائر إلا أدوات صالحة لها في صراعها مع النظام.

ألم يكن في الجزائر فئة أخرى غير طلاب جواز السفر؟

طبعا، كانت الجزائر تضم عددا كبيرا من المعلمين المغاربة، وأنا ضمنهم، إلى جانب معلمين ينتمون إلى الشرق الأوسط لتدريس اللغة العربية. وأثناء ذلك تعرفت على الصراع بين البعثيين السوريين وبين القوميين الناصريين بعد انهيار الوحدة بين القطرين. كما عرفت لأول مرة أنه يمكن أن يكون الإنسان عربيا ولا يكون مسلما؛ فنحن في بلدان المغرب كانت كلمة عربي تعني مسلما وكلمة مسلم تعني عربيا. وبهذه المناسبة أستحضر نكتة جزائرية مضمونها أن ضابطا كبيرا من جيش التحرير الجزائري أُرسل خلال حرب التحرير لأخذ قسط من الراحة في سوريا. وهناك قُدم له بعض مستضيفيه بأسماء أنطون، وجورج، وميشال وجاك…إلخ. فسأل بعض مستقبليه بكل عفوية: “هل خُطفت من قِبل الأعداء؟، لأن هذه الأسماء كنت أحاربها في الجزائر فأين أنا”؟ أوضح له بعض مضيفيه المسلمين أنه ليس مختطفا، وأن هؤلاء الذين يحملون أسماء غير إسلامية هم عرب وليسوا مسلمين. لكنه صعب عليه فهم الوضع؛ فعلق على كلامهم قائلا: “هم، إذن، مثل أولئك الذين نسميهم في بلادنا يهود محمد”.



from اليوم 24 http://bit.ly/2Qv2o1G
source IFTTT

Membres

Fourni par Blogger.

التسميات

المشاركات الشائعة

بحث

Archives du blog

التسميات

مواضيع جديدة

الصفحات

Contributeurs

جديد الفيديو